التَّحْذِيرُ مِنَ البِدَعِ
لِسَمَاحَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ
رَحِمَهُ اللهُ
التحذير من البدع
الرسالة الأولى
حُكْمُ الِاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَالِدِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أَمَّا بَعْدُ: فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ، والقيام له في أثناء ذلك، وإلقاء السلام عليه، وغير ذلك مما يُفعل في الموالد.
والجواب أن يقال: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدَثة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسُّنَّة، وأكمل حبًّا لرسول الله ﷺ، ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه المبين: ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ...﴾ [الحشر: 7].
وقال جل جلاله: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال سبحانه: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21]، وقال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ100﴾ [التوبة: 100]، وقال تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ» (1). أي: مردود عليه، وقال في حديث آخر: «عَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (2). ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع، والعمل بها،
وإحداث مثل هذه الموالد يُفهم منه أن الله سبحانه لم يُكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به، حتى جاء هؤلاء المتأخرون، فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به؛ زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة، والرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقًا يوصل إلى الجنة، ويباعد من النار إِلَّا بَيَّنه للأمّة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِن نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيهِ أَن يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ». رواه مسلم في صحيحه (3).
ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغًا ونصحًا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبَيَّنه الرسول ﷺ للأمَّة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه رضي الله عنهم، فَلَمَّا لم يَقع شيء من ذلك عُلم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدَثات التي حذَّر الرسول ﷺ منها أمته، كما تقدم ذكر ذلك في الأحاديث والآيات، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد، والتحذير منها؛ عملًا بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين: فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات؛ كالغلو في رسول الله ﷺ، وكاختلاط النساء بالرجال، واستعمال آلات الملاهي، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر، وظنوا أنها من البدع الحسنة.
والقاعدة الشرعية: رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ، كما قال الله جل جلاله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النساء: 59]، وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ...﴾ [الشورى: 10].
وقد ردَدنا هذه المسألة: وهي: الاحتفال بالموالد إلى كتاب الله سبحانه، فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ؛ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا، وأمرنا باتباع الرسول فيه.
وقد رددنا ذلك ـ أيضًا ـ: إلى سنة الرسول ﷺ؛ فلم نجد فيها أنه فعله، ولا أمر به، ولا فعله أصحابه رضي الله عنهم؛ فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدَثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.
وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه: أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام، بل هو من البدع المحدثات، التي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ بتركها والحذر منها، وأنه لا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يُعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يُعرف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ111﴾ [البقرة: 111]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...﴾ [الأنعام: 116].
ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع كونها بدعة لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى؛ كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك، وهو الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به، وطلبه المدد، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِيَّاكُم وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُم الغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (4).
وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبدٌ، فَقُولُوا: عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ». خَرَّجه البخاري في صحيحه، من حديث عمر رضي الله عنه (5).
ومن العجائب والغرائب: أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها، ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجُمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأسًا، ولا يرى أنه أتى منكرًا عظيمًا، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان، وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين.
ومن ذلك: أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد؛ ولهذا يقومون له مُحيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ15 ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ16﴾ [المؤمنون: 15، 16].
وقال النبي ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (6). عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
فهاتان الآيتان الكريمتان، والحديث الشريف، وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث: كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات، إنما يَخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مُجمع عليه بين علماء المسلمين؛ وليس فيه نزاع بينهم، فينبغي لكل مسلم أن يتنبه لهذه الأمور، وأن يحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات؛ التي ما أنزل الله بها من سلطان، واللهُ المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.
أما الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ: فهي من أفضل القربات، ومن الأعمال الصالحات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً؛ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ بِهَا عَشْرًا»(7)، وهي مشروعة في جميع الأوقات، ومتأكدة في آخر كل صلاة، بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة، وتتأكد سنيتها في مواضع كثيرة؛ منها ما بعد الأذان، وعند ذكره عليه الصلاة والسلام، وفي يوم الجمعة وليلتها، كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة.
واللهَ المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يمن على الجميع بلزوم السُّنَّة، والحذر من البدعة، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
***
الرسالة الثانية
حُكْمُ الِاحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
أَمَّا بَعْدُ: فَلَا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدَّالة على صدق رسوله محمد ﷺ، وعلى عظم منزلته عند الله جل جلاله، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة، وعلى علوه سبحانه وتعالى على جميع خلقه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ1﴾ [الإسراء: 1].
وتواتر عن رسول الله ﷺ أنه عُرج به إلى السماوات، وفُتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة، فكلمه ربه سبحانه بما أراد، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله سبحانه فرضها أولًا خمسين صلاة، فلم يزل نبينا محمد ﷺ يراجعه ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسًا، فهي خمس في الفرض، وخمسون في الأجر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.
وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبَيَّنه الرسول ﷺ للأمّة؛ إما بالقول وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعُرف واشتهر، ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا، فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمّة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعًا لكانوا أسبق الناس إليه. والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الله لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه، فَلَمَّا لم يقع شيء من ذلك؛ عُلم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسَا من الإسلام في شيء، وقد أكمل الله لهذه الأمّة دينها، وأتم عليها النعمة، وأنكر على مَن شرع في الدين ما لم يأذن به الله، فقال سبحانه وتعالى في كتابه المبين: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، وقال جل جلاله: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ21﴾ [الشورى: 21].
وثبت عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: التحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة؛ تنبيهًا للأمة على عظم خطرها، وتنفيرًا لهم من اقترافها، ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدٌّ» (8).
وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ»(9).
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». زاد النسائي بسندٍ جيد: «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» (10).
وفي السنن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصِنا، فقال: «أُوصِيكُم بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُم عَبدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُم فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (11)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد ثبت عن أصحاب رسول الله ﷺ، وعن السلف الصالح بعدهم؛ التحذير من البدع والترهيب منها؛ وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين، وشرعٌ لم يأذن به الله، وتشبُّه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقول الله جل جلاله: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ...﴾ [المائدة: 3]، والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام المحذرة من البدع والمنفرة منها.
هذا، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه مِن الأدلة كفاية وإقناع لطالب الحق في إنكار هذه البدعة؛ أعني: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، والتحذير منها، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء.
وَلِمَا أوجب الله من النصح للمسلمين، وبيان ما شرع الله لهم من الدين، وتحريم كتمان العلم؛ رأيت تنبيه إخواني المسلمين على هذه البدعة، التي قد فشت في كثير من الأمصار، حتى ظنها بعض الناس من الدين.
واللهَ المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق والثبات عليه، وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
***
الرسالة الثالثة
حُكْمُ الِاحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد نبي التوبة والرحمة.
أَمَّا بَعْدُ: فقد قال الله تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ...﴾ [الشورى: 21]، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدٌّ» (12).
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبة الجمعة: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (13).
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل دلالة صريحة على أن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لهذه الأمة دينها، وأتمَّ عليها نعمته، ولم يتوفَّ نبيه عليه الصلاة والسلام إلا بعد ما بلغ البلاغ المبين، وبين للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال، وأوضح ﷺ أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى دين الإسلام من أقوال أو أعمال؛ فكله بدعة مردود على من أحدثه، ولو حسن قصده، وقد عَرف هذا الأمر أصحاب رسول الله ﷺ، وهكذا أيضًا علماء الإسلام بعدهم، فأنكروا البدع، وحذروا منها، كما ذكر ذلك كل من صنف في تعظيم السُّنَّة وإنكار البدعة؛ كابن وضاح، والطرطوشي، وأبي شامة، وغيرهم.
وإن من البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة، لا يجوز الاعتماد عليها.
أما ما ورد في فضل الصلاة فيها؛ فكله موضوع، كما نَبَّه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم إن شاء الله.
وورد فيها ـ أيضًا ـ آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم.
والذي أجمع عليه جمهور العلماء أن الاحتفال بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، وبعضها موضوع، وممن نبَّه على ذلك: الحافظ ابن رجب، في كتابه: (لطائف المعارف)، وغيره، ومعلوم أن الأحاديث الضعيفة إنما يُعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة. وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وأنا أنقل لك ـ أيها القارئ ـ ما قاله بعض أهل العلم في هذه المسألة، حتى تكون على بينة في ذلك.
وقد أجمع العلماء ـ رحمهم الله ـ على أن الواجب: رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب الله جل جلاله، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حكمَا به أو أحدهما فهو الشرع الواجب الاتباع، وما خالفهما وجب إطراحه، وما لم يَرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله، فضلًا عن الدعوة إليه وتحبيذه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النساء: 59]، وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ...﴾ [الشورى: 10]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ...﴾ [آل عمران: 31]، وقال جل جلاله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا65﴾ [النساء: 65]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة، ووجوب الرضى بحكمهما، وأن ذلك هو مقتضى الإيمان، وخيرٌ للعباد في العاجل والآجل، وأحسنُ تأويلًا: أي عاقبة.
قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ في كتابه: (لطائف المعارف) في هذه المسألة ـ بعد كلام سبق ـ ما نصه: «وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك؛ فمنهم من قبله منهم، ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عُبَّاد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مُلَيكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة.
واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يُستحب إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يَلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون ويتكحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يُكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يُكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى». إلى أن قال: «ولا يُعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان، ويتخرَّج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه (في رواية) لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه، واستحبها (في رواية)، لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف، لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام» (14).
انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله، وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في ليلة النصف من شعبان.
وأما ما اختاره الأوزاعي رحمه الله من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول، فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا، لم يجز للمسلم أن يُحدثه في دين الله، سواء فعله مفردًا أو في جماعة، وسواء أسرَّه أو أعلنه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ» (15). وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها.
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ـ رحمه الله ـ في كتابه: «الحوادث والبدع» ما نصه: «وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم، قال: ما أدركنا أحدًا من مَشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلًا على ما سواها».
وقيل لابن أبي مُلَيكة: إن زيادًا النميري يقول: «إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر»، فقال: «لو سمعته وبيدي عصا لضربته» وكان زياد قاصًّا، انتهى المقصود (16).
وقال العلامة الشوكاني ـ رحمه الله ـ في كتاب: «الفوائد المجموعة» ما نصه: «حديث: «يا علي من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد؛ عشر مرات؛ قضى الله له كل حاجة» إلخ. هو موضوع، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وقال في: «المختصر»: حديث صلاة نصف شعبان باطل، ولابن حبان من حديث علي: «إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها»، ضعيف. وقال في: «اللآلئ»: «مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات» مع طول فضله، للديلمي وغيره موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء، قال: «واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة». موضوع، «وأربع عشرة ركعة» موضوع.
وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء؛ كصاحب (الإحياء) وغيره وكذا من المفسرين، وقد رويت صلاة هذه الليلة ـ أعني: ليلة النصف من شعبان ـ على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها لذهابه ﷺ إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا، وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة، على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع، كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها، لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة، على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه» انتهى المقصود (17).
وقال الحافظ العراقي: «حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله ﷺ وكذبٌ عليه»،(18) وقال الإمام النووي في كتاب: (المجموع): «الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب: (قوت القلوب)، و(إحياء علوم الدين)، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك» (19).
وقد صنف الشيخ الإمام: أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابًا نفيسًا في إبطالهما، فأحسنَ فيه وأجاد، وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير جدًّا، ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلام في هذه المسألة، لطال بنا الكلام، ولعل فيما ذكرنا كفاية وإقناعًا لطالب الحق.
ومن خلال ما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم: يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام؛ بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله جل جلاله: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ...﴾ [المائدة: 3]. وما جاء في معناها من الآيات، وقول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (20). وما جاء في معناه من الأحاديث.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَهَا بِالصِّيَامِ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» (21). فلو كان تخصيص شيء من الليالي، بشيء من العبادة جائزًا، لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها؛ لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس، بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فَلَمَّا حذر النبي ﷺ من تخصيصها بقيام من بين الليالي، دَلَّ ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى، لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إِلَّا بدليل صحيح يدل على التخصيص.
وَلَمَّا كانت ليلة القدر وليالي رمضان يُشرع قيامها والاجتهاد فيها، نَبَّه النبي ﷺ على ذلك، وَحَثَّ الأمة على قيامها، وفعل ذلك بنفسه، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (22). فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب أو ليلة الإسراء والمعراج يُشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة، لأرشد النبي ﷺ الأمة إليه، أو فَعله بنفسه، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهم إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم.
وقد عرفتَ آنفًا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعُلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة، بدعة منكرة، وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب، التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة، كما لا يجوز الاحتفال بها؛ للأدلة السابقة، هذا لو عُلمت، فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تُعرف، وقول من قال: إنها ليلة سبع وعشرين من رجب، قول باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة، ولقد أحسن من قال:
وخير الأمور السالفات على الهدى... وشر الأمور المحدثات البدائع
واللهَ المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسُّنَّة والثبات عليها، والحذر مما خالفها، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
الرسالة الرابعة
تَنبِيهٌ هَامٌّ عَلَى كَذِبِ الوَصِيَّةِ المَنْسُوبَةِ لِلشَّيخِ أَحْمَدَ خَادِمِ الحَرَمِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، حفظهم الله بالإسلام، وأعاذنا وإياهم من شر مفتريات الجهلة الطغام، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أَمَّا بَعْدُ: فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف، بعنوان: «هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف»، قال فيها:
«كنت ساهرًا ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم، وبعد تلاوة قراءة أسماء الله الحسنى، فَلَمَّا فرغت من ذلك تهيأت للنوم، فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله ﷺ الذي أتى بالآيات القرآنية، والأحكام الشريفة؛ رحمة بالعالمين سيدنا محمد ﷺ، فقال: يا شيخ أحمد، قلتُ: لبيك يا رسول الله، يا أكرم خلق الله، فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة، ولم أقدر أن أقابل ربي ولا الملائكة؛ لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام -ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي، ثم قال: - فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار. ثم ذكر بعض أشراط الساعة، إلى أن قال: - فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية؛ لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومَن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل، يُبنى له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرًا أغناه الله، أو كان مديونًا قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة، وقال: والله العظيم ثلاثًا هذه حقيقة، وإن كنت كاذبًا أخرج من الدنيا على غير الإسلام، ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن يُكذب بها كفر».
هذه خلاصة ما في الوصية المكذوبة على رسول الله ﷺ، ولقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة منذ سنوات متعددة، تُنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر، وتُروَّج بين الكثير من العامّة، وفي ألفاظها اختلاف، وكاذبها يقول: إنه رأى النبي ﷺ في النوم، فحمله هذه الوصية، وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرنا لك أيها القارئ زعم المفتري فيها أنه رأى النبي ﷺ عندما تهيأ للنوم، فالمعنى: أنه رآه يقظة!
زعمَ هذا المفتري في هذه الوصية أشياء كثيرة؛ هي من أوضح الكذب، وأبين الباطل، سأنبهك عليها قريبًا في هذه الكلمة إن شاء الله، ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية، وبينت للناس أنها من أوضح الكذب، وأبين الباطل، فَلَمَّا اطلعت على هذه النشرة الأخيرة ترددت في الكتابة عنها، لظهور بطلانها، وعظم جراءة مفتريها على الكذب، وما كنت أظن أن بطلانها يروج على من له أدنى بصيرة، أو فطرة سليمة، ولكن أخبرني كثير من الإخوان أنها قد راجت على كثير من الناس، وتداولوها بينهم وصدَّقها بعضهم؛ فمِن أجل ذلك رأيت أنه يتعين على أمثالي الكتابة عنها، لبيان بطلانها، وأنها مفتراة على رسول الله ﷺ حتى لا يغتر بها أحد، ومن تأمَّلها من ذوي العلم والإيمان، أو ذوي الفطرة السليمة والعقل الصحيح؛ عرف أنها كذب وافتراء من وجوه كثيرة.
ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أحمد المنسوبة إليه هذه الفرية، عن هذه الوصية، فأجابني: بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد، وأنه لم يقلها أصلًا، والشيخ أحمد المذكور قد مات من مدة، ولو فرضنا أن الشيخ أحمد المذكور، أو من هو أكبر منه، زعم أنه رأى النبي ﷺ في النوم أو اليقظة، وأوصاه بهذه الوصية، لعلمنا يقينًا أنه كاذب، أو أن الذي قال له ذلك شيطان، ليس هو الرسول ﷺ لوجوه كثيرة منها:
أولًا: أن الرسول ﷺ لا يُرَى في اليقظة بعد وفاته ﷺ، ومَن زعم من جهلة الصوفية أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة، أو أنه يحضر المولد، أو ما شابه ذلك؛ فقد غلط أقبح الغلط، ولبس عليه غاية التلبيس، ووقع في خطأ عظيم، وخالف الكتاب والسُّنَّة وإجماع أهل العلم؛ لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذبًا بينًا، أو غالطٌ ملبَّس عليه، لم يَعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح، ودرج عليه أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ15 ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ16﴾ [المؤمنون: 15، 16]، وقال النبي ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (23)، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ثانيًا: أن الرسول ﷺ لا يقول خلاف الحق، لا في حياته ولا في وفاته، وهذه الوصية تخالف شريعتَه مخالفة ظاهرة، وذلك من وجوه كثيرة ـ كما يأتي ـ، وهو ﷺ قد يُرَى في النوم، ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه؛ لأن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف، ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وأمانته، وهل رأى النبي ﷺ في صورته أو في غيرها.
ولو جاء عن النبي ﷺ حديث قاله في حياته، من غير طريق الثقات العدول الضابطين لم يُعتمد عليه، ولم يحتج به، أو جاء من طريق الثقات الضابطين، ولكنه يخالف رواية مَن هو أحفظ منهم، وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين، لكان أحدهما منسوخًا لا يُعمل به، والثاني: ناسخ يُعمل به، حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يُمكن الجمع ولا النسخ وجب أن تُطرح رواية من هو أقل حفظًا، وأدنى عدالةً، والحكم عليها بأنها شاذة لا يُعمل بها.
فكيف بوصية لا يعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله ﷺ، ولا تعرف عدالته وأمانته، فهي والحالة هذه حقيقة بأن تُطرح ولا يلتفت إليها، وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع، فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها، وأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ، ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله؟!
وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (24). وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله ﷺ ما لم يَقل، وكذب عليه كذبًا صريحًا خطيرًا، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم، وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة، وينشر للناس كذب هذه الوصية على رسول الله ﷺ؛ لأن من نشر باطلًا بين الناس، ونسبه إلى الدين؛ لم تصح توبته منه إِلَّا بإعلانها وإظهارها؛ حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه، وتكذيبه لنفسه؛ لقول الله جل جلاله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ159 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ160﴾ [البقرة: 159، 160]، فأوضح سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة: أن من كتم شيئًا من الحق لم تصح توبته من ذلك إِلَّا بعد الإصلاح والتبيين، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله محمد ﷺ، وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل، ولم يقبضه إليه إلا بعد الإكمال والتبيين، كما قال جل جلاله: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3].
ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر، يريد أن يُلبس على الناس دينًا جديدًا، يترتب عليه دخول الجنة لمن أخذ بتشريعه، وحرمان الجنة ودخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه، ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل، حيث افترى فيها: أن من كتبها وأرسلها من بلد إلى بلد، أو مِن محل إلى محل؛ بُني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة، وهذا من أقبح الكذب، ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية، وقلة حياء مفتريها، وعظم جرأته على الكذب؛ لأن مَن كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد، أو من محل إلى محل؛ لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يَعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد. ومَن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد، لم يُحرم شفاعة النبي ﷺ إذا كان مؤمنًا به، تابعًا لشريعته، وهذه الفرية الواحدة في هذه الوصية، تكفي وحدها للدلالة على بطلانها وكذب ناشرها، ووقاحته وغباوته وبُعده عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ من الهُدى.
وفي هذه الوصية ـ سوى ما ذُكر ـ أمور أخرى، كلها تدل على بطلانها وكذبها، ولو أقسم مفتريها ألف قسم أو أكثر على صحتها، ولو دعا على نفسه بأعظم العذاب وأشد النكال، على أنه صادق؛ لم يكن صادقًا، ولم تكن صحيحة، بل هي واللهِ ثم واللهِ، من أعظم وأقبح الباطل، ونحن نُشهد الله سبحانه ومن حضرنا من الملائكة، ومن اطلع على هذه الكتابة من المسلمين ـ شهادة نلقى بها ربنا جل جلاله ـ: أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله ﷺ، أخزى الله مَن كذبها وعامَله بما يستحق.
ويدل على كذب هذه الوصية وبطلانها سوى ما تقدم أمور كثيرة من نصها الذي ذكر، منها:
الأمر الأول: قوله فيها: (لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام)؛ لأن هذا من علم الغيب، والرسول ﷺ قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته، وهو في حياته لا يَعلم الغيب فكيف بعد وفاته؛ لقول الله سبحانه: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ...﴾ [الأنعام: 50]، وقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُ...﴾ [النمل: 65]، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يُذَادُ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيُقَالُ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117]» (25).
الأمر الثاني: -مِن الأمور الدَّالة على بطلان هذه الوصية، وأنها كذب-: قوله فيها: (من كتبها وكان فقيرًا أغناه الله، أو مديونًا قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية) إلى آخره. وهذا من أعظم الكذب، وأوضح الدلائل على كذب مفتريها، وقلة حيائه من الله ومن عباده؛ لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الباطلة؟! وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس، وتعليقهم بهذه الوصية؛ حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم، ويتركوا الأسباب التي شرعها الله لعباده، وجعلها موصلة إلى الغنى وقضاء الدَّين، ومغفرة الذنوب، فنعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان.
الأمر الثالث: -مِن الأمور الدَّالة على بطلان هذه الوصية-، قوله فيها: (ومن لم يكتبها من عباد الله؛ اسود وجهه في الدنيا والآخرة). وهذا ـ أيضًا ـ من أقبح الكذب، ومِن أبين الأدلة على بطلان هذه الوصية، وكذب مفتريها، كيف يجوز في عقل عاقل أن يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر، يفتريها على رسول الله ﷺ ويزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن كتبها كان غنيًّا بعد الفقر، وسليمًا من الدَّين بعد تراكمه عليه، ومغفورًا له ما جناه من الذنوب!!
سبحانك هذا بهتان عظيم!! وإن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري، وعظم جرأته على الله، وقلة حيائه من الله ومن الناس، فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتبوها، فلم تسود وجوههم، وهاهنا جمع غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة، فلم يُقض دَينهم، ولم يزل فقرهم، فنعوذ بالله من زيغ القلوب، ورين الذنوب، وهذه صفاتٌ وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب وصية مكذوبة مشتملة على أنواع من الباطل، وجُمل كثيرة من أنواع الكفر، سبحان الله!! ما أحلمه على من اجترأ عليه بالكذب.
الأمر الرابع: -مِن الأمور الدالة على أن هذه الوصية من أبطل الباطل، وأوضح الكذب-: قوله فيها: (ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذب بها كفر)، وهذا ـ أيضًا ـ من أعظم الجرأة على الكذب، ومن أقبح الباطل، يدعو هذا المفتري جميع الناس، إلى أن يصدقوا بفريته، ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار، وأن من كذب بها يَكفر، لقد أعظمَ ـ واللهِ ـ هذا الكذاب على الله الفرية، وقال ـ واللهِ ـ غير الحق، إن من صدق بها فإنه هو الذي يستحق أن يكون كافرًا لا من كذب بها؛ لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة، ونحن نشهد الله على أنها كذب، وأن مفتريها كذاب، يريد أن يشرع للناس ما لم يأذن به الله، ويُدخل في دينهم ما ليس منه، والله قد أكمل الدين وأتمَّه لهذه الأمة من قبل هذه الفرية بأربعة عشر قرنًا. فانتبهوا: أيها القراء والإخوان، وإياكم والتصديق بأمثال هذه المفتريات، وأن يكون لها رواج فيما بينكم، فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه، فاطلبوا الحق بدليله، واسألوا أهل العلم عَمَّا أَشكل عليكم، ولا تغتروا بحلف الكذابين، فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم آدم وحواء، على أنه لهما من الناصحين، وَهُوَ أعظم الخائنين وأكذب الكذابين، كما حكى الله عنه ذلك فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ21﴾ [الأعراف: 21]. فاحذروه، واحذروا أتباعه من المفترين، فكَم له ولهم من الأيمان الكاذبة، والعهود الغادرة، والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل! وَأَمَّا ما ذكره هذا المفتري من ظهور المنكرات؛ فهو أمر واقع، والقرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة قد حذرَا منها غاية التحذير، وفيهما الهداية والكفاية.
وَأَمَّا ما ذكر عن أشراط الساعة، فقد أوضحَت الأحاديث النبوية ما يكون من أشراط الساعة، وأشار القرآن الكريم إلى بعض ذلك، فمن أراد أن يَعلم ذلك وجده في محله من كتب السُّنَّة، ومؤلفات أهل العلم والإيمان، وليس بالناس حاجة إلى بيان مثل هذا المفتري وتلبيسه، ومزجه الحق بالباطل. عصمني الله وإياكم وسائر المسلمين من شر الشياطين، وفتن المضلين، وزيغ الزائغين، وتلبيس أعداء الله المبطلين، الذين يريدون أن يطفئوا نور اللهِ بأفواههم، ويُلبسوا على الناس دينهم، والله متم نوره، وناصر دينه، ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتباعهم من الكفار والملحدين. ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يمن عليهم باتباع الحق، والاستقامة عليه والتوبة إلى الله سبحانه من سائر الذنوب، فإنه التواب الرحيم القادر على كل شيء. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
***
() أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.
() أخرجه مسلم (1844).
() أخرجه النسائي (3057)، وابن ماجه (3029)، وصححه ابن خزيمة (2867)، وابن حبان (3871)، والحاكم (1711).
() أخرجه البخاري (3445).
() أخرجه مسلم (2278).
() أخرجه مسلم (384).
() أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وصححه الترمذي وأبو نعيم وابن حبان (5)، والحاكم (329)، وابن الملقن. جامع العلوم والحكم (2/ 109)، البدر المنير (9/ 582).
() أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
() أخرجه مسلم (1718).
() أخرجه مسلم (867)، والنسائي (1578).
() أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
() أخرجه مسلم (867).
() لطائف المعارف لابن رجب (ص: 137-138).
() أخرجه مسلم (1718).
() الحوادث والبدع للطرطوشي (ص: 130).
() الفوائد المجموعة (ص: 50-51).
() المجموع شرح المهذب (4/ 56).
() تخريج أحاديث الإحياء (ص: 240).
() أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.
() أخرجه مسلم (1144).
() أخرجه البخاري (97، 1901)، ومسلم (759).
() أخرجه مسلم (2278).
() أخرجه البخاري (109).
() أخرجه بنحوه البخاري (3349)، ومسلم (2860).
() أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42) من حديث العرباض رضي الله عنه، وصححه الترمذي وأبو نعيم وابن حبان (5)، والحاكم (329)، وابن الملقن. جامع العلوم والحكم (2/ 109)، البدر المنير (9/ 582).