نُبذَةٌ فِي العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّة
(شَرْحُ أُصُولِ الإِيمَانِ)
بِقَلَم فَضِيلَة الشَّيخ العَلَّامَة
مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيمِين
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
مُقَــدِّمَــــةٌ
إنَّ الحَمدَ لِلَّهِ نَحمَدُهُ، ونَستَعِينُهُ، ونَستَغفِرُهُ، ونَتُوبُ إليه، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، ومِن سَيِّئاتِ أعْمَالِنا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا.
أمَّا بَعدُ: فإنَّ (عِلْمَ التَّوحِيدِ) أَشرَفُ العُلُومِ، وأَجَلُّها قَدْرًا، وأَوْجَبُها مَطْلَبًا؛ لأنَّه العِلمُ بِاللَّهِ تَعَالى، وأَسمَائِهِ، وصِفَاتِهِ، وحُقُوقِهِ عَلَى عِبَادِهِ، ولأنَّه مِفتَاحُ الطَّرِيقِ إلى اللَّهِ تَعَالَى، وأسَاسُ شَرَائِعِهِ.
ولِذا: أَجمَعَتِ الرُّسُلُ عَلَى الدَّعوَةِ إلَيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ 25﴾ [الأنبياء:25].
وشَهِدَ لِنَفْسِهِ تَعَالى بِالوَحْدَانِيَّة، وشَهِدَ بِها لَهُ مَلائِكَتُه، وأهْلُ العِلم، قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 18﴾ [آل عمران:18].
ولمَّا كان هذا شَأْنُ التَّوحِيدِ كان لِزَامًا على كُلِّ مُسلِمٍ أن يَعتَنِي بِهِ تَعَلُّمًا، وتَعْلِيمًا، وتَدَبُّرًا، واعْتِقَادًا؛ لِيَبْنِيَ دِينَهُ على أسَاسٍ سَلِيمٍ، واطْمِئْنَانٍ وتَسلِيمٍ؛ حتَّى يَسْعَدَ بِثَمَرَاتِهِ، وَنَتَائِجِهِ.
واللَّهُ وَلِيُّ التَّوفِيق
المُؤَلِّف
الدِّينُ الإسْلامِيُّ
الدِّينُ الإسْلامِيُّ: هُوَ الدِّينُ الَّذي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وخَتَمَ اللَّهُ بِهِ الأدْيَانَ، وأَكْمَلَهُ لِعِبَادِهِ، وأَتَمَّ بِهِ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ، وَرَضِيَهُ لَهُمْ دِينًا، فَلا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا 40﴾ [الأحزاب:40].
وقال تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة:3].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ...﴾ [آل عمران:19].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 85﴾ [آل عمران:85].
وقَد فَرَضَ اللَّهُ تعالى على جميعِ النَّاس أنْ يَدِينُوا لِلَّهِ تعالى بِهِ، فقال مُخاطِبًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 158﴾ [الأعراف:158].
وفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: عن أبِي هُرَيرَةَ ﭬعن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»(1).
والإيمَانُ بِهِ: تَصدِيقُ مَا جَاءَ بِهِ مَعَ القَبُولِ والإذْعَانِ، لا مُجَرَّدَ التَّصدِيقِ؛ ولِهذا لَمْ يَكُنْ أبو طَالِبٍ مُؤْمِنًا بالرَّسُولِ مَعَ تَصدِيقِهِ لِمَا جَاءَ بِهِ، وَشَهَادَتِهِ بأنَّهُ مِنْ خَيْرِ الأدْيَانِ.
والدِّينُ الإسْلامِيُّ: مُتَضَمِّنٌ لِجمِيعِ المَصالِحِ الَّتي تَضَمَّنَتْهَا الأدْيَانُ السَّابِقةُ، مُتَمَيِّزٌ عَلَيْها بِكَوْنِهِ صَالِحًا لِكُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وأُمَّةٍ، قال اللَّهُ تعالى مُخاطِبًا رَسُولَه: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ...﴾ [المائدة:48].
ومَعنَى كَونِهِ صَالِحًا لِكُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وأُمَّةٍ: أنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ لا يُنافِي مَصالِحَ الُأمَّةِ في أيِّ زَمانٍ، أو مَكانٍ، بلْ هو صَلاحُهَا، وليسَ مَعنَى ذلكَ أنَّهُ خَاضِعٌ لِكُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وأُمَّةٍ، كما يُرِيدُهُ بعضُ النَّاسِ.
والدِّينُ الإسْلامِيُّ: هو دِينُ الحقِّ الَّذي ضَمِنَ اللَّهُ تعالى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ حقَّ التَّمَسُّكِ أنْ يَنصُرَهُ، ويُظْهِرَهُ على مَنْ سِواهُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ 9﴾ [الصف:9].
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 55﴾ [النور:55].
والدِّينُ الإسْلامِيُّ: عَقِيدَةٌ، وشَرِيعَةٌ، فَهوَ كامِلٌ في عَقِيدَتِهِ، وشَرائِعِهِ:
1- يأمُرُ بِتَوحِيدِ اللَّهِ تعالى ويَنهَى عن الشِّركِ.
2- يأمُرُ بِالصِّدقِ ويَنهَى عن الكَذِبِ.
3- يأمُرُ بِالعَدلِ ويَنهَى عن الجَوْرِ، والعَدلُ هو المُساواةُ بين المُتَماثِلاتِ والتَّفرِيقُ بين المُختَلِفاتِ، وليس العَدلُ المُساواةَ المُطْلَقةَ كما يَنطِقُ بِهِ بعضُ النَّاسِ حِينَ يقولُ: دِينُ الإسلامِ دِينُ المُساواة، ويُطْلِق، فإنَّ المُساواةَ بين المُخْتَلِفاتِ جَوْرٌ لا يأتي بِهِ الإسلام، ولا يُحْمَدُ فاعِلُهُ.
4- يأمُرُ بِالأمانَةِ ويَنهَى عن الخِيانَةِ.
5- يأمُرُ بِالوَفاءِ ويَنهَى عن الغَدْرِ.
6- يأمُرُ بِبِرِّ الوَالِدَينِ ويَنهَى عن العُقُوقِ.
7- يأمُرُ بِصِلَةِ الأرْحَامِ وهُمُ الأقارِبُ ويَنهَى عن القَطِيعَةِ.
8- يأمُرُ بِحُسْنِ الجِوَارِ، ويَنهَى عن سَيِّئِهِ.
وعُمُومُ القَولِ: أنَّ (الإسْلامَ) يأمُرُ بِكُلِّ خُلُقٍ فَاضِلٍ، ويَنهَى عن كُلِّ خُلُقٍ سَافِلٍ. ويأمُرُ بِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ، ويَنهَى عن كُلِّ عَمَلٍ سَيِّئٍ.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 90﴾ [النحل:90].
****
أَرْكَانُ الِإسْلام
أركانُ الإسلام: أُسُسُهُ الَّتي يَنبَنِي عليها، وهي خَمسَةٌ: مَذْكُورَةٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﭭ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحِّدَ اللَّه - وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى خَمْسٍ -: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ» فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجُّ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ؟ قَالَ: «لَا، صِيَامُ رَمَضَانَ، وَالْحَجُّ» هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ(2).
1- أمَّا شَهادَةُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ فهي: الاعْتقادُ الجازِمُ المُعَبَّرُ عنهُ باللِّسانِ بهذه الشَّهادَة، كأنَّهُ بِجَزْمِهِ في ذلك مُشاهِدٌ له، وإنَّما جُعِلَتْ هذه الشَّهادَةُ رُكْنًا واحدًا مع تعَدُّدِ المَشْهودِ به:
إمَّا: لأنَّ الرَّسولَ ﷺ مُبَلِّغٌ عنِ الله تعالى، فالشَّهادَةُ لهُ بالعُبوديَّةِ والرِّسالَةِ منْ تَمامِ شَهادَةِ أنْ لا إلهَ إلَّا الله.
وإمَّا: لأنَّ هاتَينِ الشَّهادَتَينِ أساسُ صِحَّةِ الأعمالِ وقَبولِها؛ إذْ لا صِحَّةَ لِعَمَلٍ ولا قَبول، إلَّا بالإخلاصِ للَّهِ تعالى والمُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ.
فَبِالإخلاصِ للَّهِ تتحقَّقُ شَهادَةُ: أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وبِالمُتابَعَةِ لِرَسولِ الله تتحقَّقُ شَهادَةُ: أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه.
ومِن ثَمَراتِ هذهِ الشَّهادَةِ العَظِيمَة: تَحْرِيرُ القَلْبِ والنَّفْسِ مِن الرِّقِّ لِلمَخْلُوقِين، ومنَ الاتِّباعِ لِغَيرِ المُرسَلِين.
2- وأمَّا إقامُ الصَّلاةِ: فهوَ التَّعَبُّدُ للَّهِ تعالى بِفِعْلِها على وَجْهِ الاسْتِقَامَةِ والتَّمامِ في أوقاتِها، وهَيْئاتِها.
ومِن ثَمَرَاتِهِ: انْشِراحُ الصَّـدْرِ، وقُـرَّةُ العَيْنِ، والنَّهـيُ عنِ الفَحْشـاءِ والمُنْكَر.
3- وأمَّا إيتاءُ الزَّكاةِ: فهو التَّعَبُّدُ للَّهِ تعالى بِبَذْلِ القَدْرِ الواجِبِ في الأموالِ الزَّكَويَّةِ المُسْتَحَقَّة.
ومِن ثَمَراتِهِ: تَطْهِيرُ النَّفْسِ مِنَ الخُلُقِ الرَّذِيل (البُخْل) وسَدُّ حاجَةِ الإسلامِ والمسْلمين.
4- وأمَّا صَومُ رَمَضانَ: فهوَ التَّعَبُّدُ للَّهِ تعالى بالإمْسَاكِ عَنِ المُفَطِّراتِ في نَهارِ رَمَضان.
ومِن ثَمَراتِهِ: تَرْوِيضُ النَّفْسِ على تَرْكِ المَحْبُوباتِ؛ طَلَبًا لِمَرْضاةِ الله عزَّ وجلَّ.
5- وأمَّا حَجُّ البَيتِ: فهوَ التَّعَبُّدُ للَّهِ تعالى بِقَصْدِ البَيتِ الحَرامِ؛ لِلقِيامِ بِشَعائِرِ الحَجِّ.
ومِن ثَمَراتِهِ: تَرْوِيضُ النَّفْسِ على بَذْلِ المَجهُودِ المالِيِّ والبَدَنِيِّ فِي طاعَةِ الله تعالى؛ ولِهذا كانَ الحَجُّ نوعًا مِنَ الجِهادِ فِي سَبِيلِ الله تعالى.
وهذهِ الثَّمَراتُ الَّتي ذَكَرْناها لِهذهِ الُأسُسِ وما لَمْ نَذْكُرهُ تَجعَلُ مِنَ الُأمَّةِ أُمَّةً إسلامِيَّةً طاهِرَةً نَقِيَّةً، تَدِيْنُ للَّهِ دِيْنَ الحَقِّ، وتُعامِلُ الخَلْقَ بِالعَدْلِ والصِّدْقِ؛ لأنَّ ما سِواها مِن شَرائِعِ الإسلامِ يَصْلُحُ بِصَلاحِ هذهِ الُأسُسِ، وتَصْلُحُ أحوالُ الُأمَّةِ بِصَلاحِ أَمْرِ دِينِها، ويَفوتُها مِن صَلاحِ أحوالِها بِقَدْرِ ما فاتَها مِن صَلاحِ أُمورِ دِينِها.
ومَن أرادَ اسْتِبَانَةَ ذلكَ فَليَقرَأ قولهُ تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 96 أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ 97 أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ 98 أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ9﴾ [الأعراف:96-99].
ولْينظُر في تاريخِ مَن سَبَق؛ فإنَّ التَّاريخَ عِبْرَةٌ لُأِولي الألْباب، وبَصِيرَةٌ لِمِنْ لَمْ يَحُلْ دُونَ قَلبِهِ حِجابٌ، والله المُستعان.
****
أُسُسُ العَقِيْدَةِ الإسْلامِيَّة
الدِّينُ الإسْلامِيُّ: -كَما سَبَقَ أنْ أوْضَحْنا- عَقِيدَةٌ وشَرِيعَةٌ، وقَد أَشَرْنا إلى شَيءٍ مِن شَرائِعِهِ، وذَكَرْنا أَرْكانَهُ الَّتي تُعْتَبَرُ أساسًا لِشَرائِعِه.
أمَّا العَقِيدَةُ الإسْلامِيَّةُ، فَأُسُسُها: الإيمانُ بِاللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، واليَومِ الآخِرِ، والقَدَرِ: خَيْرِهِ، وشَرِّه.
وقَدْ دَلَّ على هذهِ الُأسُسِ كتابُ الله، وسُنَّةُ رسولِهِ ﷺ.
فَفِي كتابِ الله تعالى يقول: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [البقرة:177]، ويقول فِي القَدَر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ 49 وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ 50﴾ [القمر:49-50].
وفِي سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ يقولُ النَّبيُّ ﷺ مُجِيبًا لِجِبْريلَ حِينَ سَألَهُ عنِ الإيمان: «الْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ: خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»(3).
الإيمانُ باللَّهِ تعالى
فأمَّا الإيمانُ باللَّهِ فَيَتَضَمَّنُ أربعةَ أُمورٍ:
الأمرُ الأوَّل: الإيمانُ بِوُجودِ الله تعالى:
وقَد دَلَّ على وُجُودِهِ تعالى: الفِطْرةُ، والعَقْلُ، والشَّرْعُ، والحِسُّ
أمَّا دَلالَةُ الفِطرةِ على وُجُودِهِ سُبحانَهُ وتعالى: فإنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ قَد فُطِرَ على الإيمانِ بِخالِقِهِ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَفْكيرٍ، أو تَعْليمٍ، ولا يَنْصَرِفُ عَن مُقتَضى هذهِ الفِطْرَةِ إلَّا مَن طَرَأَ على قَلْبِهِ ما يَصْرِفُهُ عنها؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»(4).
2- وأمَّا دَلالَةُ العَقْلِ على وُجُودِ الله تعالى فلأنَّ هذهِ المَخلوقاتِ: سابِقُها ولاحِقُها، لا بُدَّ لها مِن خالِقٍ أَوْجَدَها؛ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ تُوجِدَ نَفْسَها بِنَفْسِها، ولا يُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ صُدْفَةً.
لا يُمكِنُ أنْ تُوجِدَ نَفسَها بِنَفسِها؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يَخْلُقُ نفسهُ؛ لأنَّهُ قبل وُجودِهِ مَعْدومٌ فكيفَ يكونُ خالِقًا؟!
ولا يُمكِنُ أنْ تُوجَدَ صُدفَةً؛ لأنَّ كُلَّ حادِثٍ لا بُدَّ لهُ مِن مُحْدِثٍ، ولأنَّ وُجودَها على هذا النِّظامِ البَدِيعِ، والتَّناسُقِ المُتَآلِفِ، والارْتِباطِ المُلْتَحِمِ بَينَ الأسْبابِ ومُسَبِّباتِها، وبَينَ الكائناتِ بَعضِها معَ بَعضٍ يَمنَعُ مَنعًا باتًّا أنْ يكونَ وُجودُها صُدْفَةً؛ إذِ الموجُودُ صُدْفَةً ليسَ على نِظامٍ في أصْلِ وُجودِهِ فَكَيفَ يكونُ مُنْتَظِمًا حالَ بَقائِهِ وتَطَوُّرِهِ؟!
وإذا لمْ يمكِن أنْ توجَدَ هذهِ المخلوقاتُ نَفْسَها بِنَفْسِها، ولا أنْ تُوجَدَ صُدْفَةً؛ تَعَيَّنَ أنْ يكونَ لها مُوجِدٌ وهوَ الله ربُّ العالمين.
وقدْ ذَكَرَ الله تعالى هذا الدَّليلَ العَقْليَّ والبُرْهانَ القَطْعيَّ في سورةِ الطُّورِ؛ حيثُ قال: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ 35﴾ [الطور:35]. يعني: أنَّهم لمْ يُخْلَقوا منْ غيرِ خَالِقٍ، ولا همُ الَّذين خَلَقُوا أنْفُسَهُم؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يكونَ خالِقُهُم هوَ الله تبارَكَ وتعالى ولِهذا لمَّا سَمِعَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ ﭬرسولَ الله ﷺ يقرأُ سورةَ الطُّورِ فبَلَغَ هذهِ الآيات: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ 35 أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ 36 أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ 37﴾ [الطور:35-37].
وكانَ جُبَيرٌ يومئذٍ مُشْرِكًا قالَ: "كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ، وذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الإيمَانُ فِي قَلْبِي"(5).
ولنضْرب مثلًا يُوَضِّحُ ذلك: فإنَّـه لـو حَدَّثَكَ شَخـصٌ عن قَصْرٍ مُشَيَّـدٍ، أحاطَتْ بـهِ الحدائِـقُ، وجَرَت بَينَها الأنهـارُ، ومُلِـئَ بالفُـرُشِ والأسِرَّةِ، وزُيِّنَ بأنواعِ الزِّينَةِ مِن مُقَوِّماتِهِ ومُكَمِّلاتِهِ، وقالَ لكَ: إنَّ هذا القَصْرَ وما فيهِ من كَمالٍ قَد أَوجَدَ نَفسَهُ، أو وُجِدَ هَكَذا صُدْفَةً بِدُونِ مُوجِدٍ؛ لَبادَرْتَ إلى إنكَارِ ذلكَ وتَكذِيبِهِ، وعَدَدْتَ حَدِيثَهُ سَفَهًا منَ القَولِ، أفيجُوزُ بعدَ ذلكَ أنْ يكونَ هذا الكَونُ الواسِعُ: بِأَرْضِهِ، وسَمَائِهِ، وأَفْلاكِهِ، وأَحْوَالِهِ، ونِظَامِهِ البَدِيعِ البَاهِرِ، قد أوجَدَ نَفْسَهُ، أو وُجِدَ صُدْفَةً بِدُونِ مُوجِدٍ؟!
3- وأمَّا دلالةُ الشَّرْعِ على وجودِ اللَّهِ تعالى: فلأنَّ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ كُلَّها تَنطِقُ بذلكَ، وما جاءَت بهِ منَ الأحكامِ العادِلةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَصالِحِ الخَلقِ دلِيلٌ على أنَّها من رَبٍّ حَكِيمٍ عَلِيمٍ بِمَصالِحِ خَلقِهِ، وما جاءَت بهِ منَ الأخبارِ الكَونِيَّةِ الَّتي شَهِدَ الواقِعُ بِصِدقِها دلِيلٌ على أنَّها منْ رَبٍّ قَادِرٍ على إيجادِ ما أخبَرَ بهِ.
4- وأمَّا أدِلَّةُ الحِسِّ على وجودِ اللَّهِ؛ فَمِن وجهينِ:
أحَدُهُمَا: أنَّنا نَسمعُ ونُشاهِدُ من إجابَةِ الدَّاعِينَ، وغَوْثِ المَكْرُوبِينَ، ما يَدُلُّ دلالَةً قاطِعَةً على وجودِهِ تعالى، قالَ اللَّهُ سُبحانهُ: ﴿وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ...﴾ [الأنبياء:76].
وقالَ تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ...﴾ [الأنفال:9].
وفي صحِيحِ البُخارِيِّ عن أنسِ بنِ مالِكٍ ﭬقالَ: «إنَّ أعرابيًّا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ -والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ- فقالَ: يا رسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ المَالُ، وجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لنَا؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ ودَعَا، فَثَارَ السَّحَابُ أمثَالَ الجِبَالِ، فَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ»(6).
وفي الجُمُعَةِ الثَّانيةِ، قامَ ذلكَ الأعرابِيُّ، أو غيرُهُ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وغَرِقَ المالُ، فَادْعُ اللَّهَ لنا؛ فرَفَعَ يديهِ، وقالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» فَمَا يُشِيرُ إلى ناحِيَةٍ إلَّا انْفَرَجَتْ(7).
وما زالتْ إجابةُ الدَّاعِينَ أمرًا مَشْهُودًا إلى يومِنا هذا لِمَن صَدَقَ اللُّجوءَ إلى اللَّهِ تعالى، وأَتَى بِشَرَائِطِ الإجابةِ.
الوجهُ الثَّاني: أنَّ آياتِ الأنبِياءِ الَّتي تُسمَّى المُعْجِزَاتِ ويُشاهِدُها النَّاسُ، أو يَسمعُونَ بِها، بُرهانٌ قَاطِعٌ على وُجودِ مُرْسِلِهِمْ، وهوَ اللَّهُ تعالى؛ لأنَّها أمُورٌ خارِجةٌ عنْ نِطاقِ البشَرِ، يُجرِيها اللَّهُ تعالى؛ تأيِيدًا لِرُسُلِهِ، ونَصْرًا لهُم.
مثالُ ذلكَ: آيةُ مُوسَى عليهِ السَّلامُ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ تعالى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحرَ، فَضَرَبَهُ، فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا، والماءُ بينهَا كَالجِبالِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ 63﴾ [الشعراء:63].
ومثالٌ ثَانٍ: آيةُ عِيسى عليهِ السَّلامُ حيثُ كانَ يُحيِي المَوتَى، ويُخْرِجُهُمْ منْ قُبُورِهِمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تعالى عنهُ: ﴿...وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ...﴾ [آل عمران:49].
وقال: ﴿...وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ...﴾ [المائدة:110].
ومثالٌ ثالثٌ: لِمُحمَّدٍ ﷺ حينَ طلَبَتْ منهُ قُريشٌ آيةً، فَأشارَ إلى القَمَرِ، فَانفَلَقَ فِرْقَتَينِ، فرآهُ النَّاسُ، وفي ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ 1 وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ 2﴾ [القمر:1 -2].
فهذهِ الآياتُ المَحْسُوسَةُ الَّتي يُجْرِيها اللَّهُ تعالى؛ تأيِيدًا لِرُسُلِهِ، ونَصْرًا لَهُم، تدُلُّ دلالةً قَطعِيَّةً على وُجُودِهِ تعالى.
الأمرُ الثَّانِي مِمَّا يتضمَّنُهُ الإيمانُ بِاللَّهِ: الإيمانُ بِرُبُوبِيَّتِهِ أيْ بِأنَّهُ وَحْدَهُ الرَّبُّ لا شَرِيكَ لهُ ولا مُعِينَ.
والرَّبُّ: مَنْ لهُ الخَلْقُ، والمُلْكُ، والأمْرُ، فلا خَالِقَ إلَّا اللَّهُ، ولا مالِكَ إلَّا هُوَ، ولا أَمْرَ إلَّا لَهُ، قالَ تعالى: ﴿...أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ...﴾ [الأعراف:54].
وقال: ﴿...ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ﴾ [فاطر:13].
ولمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا منَ الخَلْقِ أنْكَرَ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ سُبحانَهُ، إلَّا أنْ يكُونَ مُكابِرًا غيرَ مُعْتَقِدٍ بِما يقُولُ، كما حَصَلَ منْ فِرْعونَ، حينَ قالَ لِقَومِهِ: ﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ 24﴾ [النازعات:24]، وقالَ: ﴿...يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي...﴾ [القصص:38]، لكنَّ ذلكَ ليسَ عنْ عَقِيدَةٍ. قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ...﴾ [النمل:14]. وقالَ مُوسَى لِفِرعونَ فيما حَكَى اللَّهُ عنهُ: ﴿...لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا﴾ [الإسراء:102]، ولِهذا كانَ المُشرِكونَ يُقِرُّونَ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تعالى، معَ إشراكِهِم بهِ في الُألُوهِيَّة، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 85 قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ 87 قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦمَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ 89﴾ [المؤمنون:84 - 89].
وقالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ 9﴾ [الزخرف:9].
وقالَ سُبحانَه: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ 87﴾ [الزخرف:87].
وأَمرُ اللَّهِ سُبحانهُ شامِلٌ للأمْرِ الكَونِيِّ والشَّرعِيِّ، فكما أنَّهُ مُدَبِّرُ الكَونِ القاضِي فيهِ بِمَا يُرِيدُ، حَسبَ ما تَقتَضِيهِ حِكمتُهُ، فهوَ كذلكَ الحاكِمُ فيهِ بِشَرعِ العِباداتِ، وأحكامِ المُعاملاتِ، حَسبما تَقتَضِيهِ حِكمتُهُ، فَمَنِ اتَّخَذَ معَ اللَّهِ تعالى مُشَرِّعًا في العِباداتِ، أو حَاكِمًا في المُعامَلاتِ؛ فَقَد أشرَكَ بهِ، ولَم يُحَقِّقِ الإيمان.
الأمرُ الثَّالثُ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ الإيمانُ بِاللَّهِ: الإيمانُ بِأُلُوهِيَّتِهِ أي: بأنَّهُ وحدهُ الإلـهُ الحَقُّ لا شريكَ لـه، و(الإلـه) بمعنى: (المَألُوه) أي: (المَعبُود) حُبًّا وتَعظِيمًا.
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ 163﴾ [البقرة:163].
وقالَ تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 18﴾ [آل عمران:18]، وكُلُّ مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا معَ اللَّهِ، يعبد مِن دُونِهِ؛ فأُلُوهِيَّتُهُ باطِلَةٌ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 62﴾ [الحج:62]. وتَسْمِيَتُها آلِهَةً لا يُعطِيها حَقَّ الُألُوهِيَّة، قال اللَّهُ تعالى فِي (اللَّاتِ والعُزَّى ومَنَاة): ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ...﴾ [النجم:23].
وقالَ عِن هُودٍ عليهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَومِهِ: ﴿...أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ...﴾ [الأعراف:71].
وقـالَ عَن يُوسُفُ عليهِ السَّلامُ أنَّـهُ قـالَ لِصَاحِبَـيِ السِّجنِ: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ...﴾ [يوسف:39-40].
ولِهذا كانتِ الرُّسُلُ -عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولونَ لَأِقوامِهِم: ﴿...ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ...﴾ [الأعراف:59] ولكنْ أَبَى ذلكَ المُشرِكونَ، واتَّخَذوا مِن دَونِ اللَّهِ آلِهَةً، يَعبُدونَهُم معَ اللَّهِ سُبحانهُ وتعالى ويَسْتَنصِرُونَ بِهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ.
وقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ تعالى اتِّخاذَ المُشرِكينَ هذهِ الآلِهةَ بِبُرْهانَيْنِ عَقْلِيَّيْن:
الأوَّل: أنَّهُ ليسَ فِي هذهِ الآلِهـةِ الَّتي اتَّخَذوها شيءٌ مِن خَصائِـصِ الُألُوهِيَّة، فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لا تَخْلُقُ، ولا تَجْلِبُ نَفْعًا لِعابِدِيها، ولا تَدْفَعُ عنهُم ضَرَرًا، ولا تَمْلِكُ لَهُم حَياةً، ولا مَوتًا، ولا يَمْلِكُونَ شَيئًا مِنَ السَّمواتِ، ولا يُشارِكونَ فِيهِ.
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا 3﴾ [الفرقان:3].
وقالَ تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥ...﴾ [سبأ:22-23].
وقال تعالى: ﴿أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ 191 وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ 192﴾ [الأعراف:191-192].
وإذا كانت هذهِ حالُ تِلكَ الآلِهَةِ فإنَّ اتَّخاذَها آلِهَةً مِن أسْفَهِ السَّفَهِ، وأبْطَلِ الباطِلِ.
والثَّاني: أنَّ هؤلاءِ المُشرِكِينَ كانوا يُقِرُّونَ بأنَّ اللَّهَ تعالى وحدَهُ الرَّبُّ الخالِقُ الَّذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شيءٍ، وهوَ يُجِيرُ ولا يُجَارُ عليه، وهذا يَستَلزِمُ أنْ يُوَحِّدوهُ بِالُألُوهِيَّةِ، كما وَحَّدُوهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، كما قالَ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 21 ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 22﴾ [البقرة:21-22].
وقالَ تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ8﴾ [الزخرف:87].
وقالَ تعالى: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ 31 فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ 32﴾ [يونس:31-32].
الأمرُ الرَّابعُ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ الإيمانُ بِاللَّهِ: الإيمانُ بأسْمائِهِ وصِفاتِهِ:
أي: إثباتُ ما أثبتَهُ اللَّهُ لِنَفسِهِ فِي كِتابِهِ، أو سُنَّةِ رسولِهِ ﷺ مِنَ الأسماءِ والصِّفاتِ، على الوَجهِ اللَّائِقِ بهِ مِن غيرِ تَحْرِيفٍ، ولا تَعْطِيلٍ، ولا تَكْيِيفٍ، ولا تَمْثِيلٍ، قـالَ اللَّهُ تعالـى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 180﴾ [الأعراف:180] وقالَ تعالى: ﴿...وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الروم:27].
وقالَ تعالى: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
وقَدْ ضَلَّ فِي هذا الأمرِ طائِفَتانِ:
إحداهُما: (المُعَطِّلَة) الَّذينَ أنكَروا الأسماءَ والصِّفاتِ، أو بَعضَها، زاعِمِينَ أنَّ إثباتَها لِلَّهِ يَسْتَلزِمُ التَّشْبِيهَ، أي: تَشْبِيهَ اللَّهِ تعالى بِخَلقِهِ، وهذا الزَّعمُ باطِلٌ؛ لِوُجُوهٍ، مِنها:
الأوَّل: أنَّه يَستَلزِمُ لَوازِمَ باطِلَةً؛ كَالتَّناقُضِ فِي كلامِ اللَّهِ سُبحانَهُ، وذلكَ أنَّ اللَّهَ تعالى أَثبتَ لِنَفْسِهِ الأسْماءَ والصِّفاتِ، ونَفَى أنْ يكونَ كَمِثْلِهِ شيءٌ، ولَو كانَ إثباتُها يَستَلزِمُ التَّشْبِيهَ؛ لَزِمَ التَّناقُضُ فِي كلامِ اللَّهِ، وتَكذِيبُ بَعضِهِ بَعضًا.
الثّاني: أنّه لا يلزم من اتّفاق الشّيئين في اسمٍ أو صفةٍ أن يكونا متماثلين، فأنت ترى الشّخصين يتّفقان في أنّ كلًّا منهما إنسانٌ سميعٌ، بصيرٌ، متكلّمٌ، ولا يلزم من ذلك أن يتماثلا في المعاني الإنسانيّة، والسّمع، والبصر، والكلام.
وترى الحيوانات لها أيدٍ، وأرجلٌ، وأعينٌ، ولا يلزم من اتّفاقها هذا أن تكون أيديها، وأرجلها، وأعينها متماثلةً.
فإذا ظهر التّباين بين المخلوقات فيما تتّفق فيه من أسماءٍ أو صفاتٍ؛ فالتّباين بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.
الطّائفة الثّانية: (المشبّهة) الّذين أثبتوا الأسماء والصّفات مع تشبيه الله تعالى بخلقه، زاعمين أنّ هذا مقتضى دلالة النّصوص؛ لأنّ الله تعالى يخاطب العباد بما يفهمون، وهذا الزّعم باطلٌ؛ لوجوهٍ، منها:
الأوّل: أنّ مشابهة الله تعالى لخلقه أمرٌ يبطله العقل والشّرع، ولا يمكن أن يكون مقتضى نصوص الكتاب والسّنّة أمرًا باطلًا.
الثّاني: أنّ الله تعالى خاطب العباد بما يفهمون من حيث أصل المعنى، أمّا الحقيقة والكنه الّذي عليه ذلك المعنى فهو ممّا استأثر الله تعالى بعلمه فيما يتعلّق بذاته وصفاته.
فإذا أثبت الله لنفسه أنّه سميعٌ؛ فإنّ السّمع معلومٌ من حيث أصل المعنى (وهو إدراك الأصوات) لكن حقيقة ذلك بالنّسبة إلى سمع الله تعالى غير معلومةٍ؛ لأنّ حقيقة السّمع تتباين حتّى في المخلوقات؛ فالتّباين فيها بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.
وإذا أخبر الله تعالى عن نفسه أنّه استوى على عرشه؛ فإنّ الاستواء من حيث أصل المعنى معلومٌ، لكن حقيقة الاستواء الّتي هو عليها غير معلومةٍ لنا بالنّسبة إلى استواء الله على عرشه؛ لأنّ حقيقة الاستواء تتباين في حقّ المخلوق، فليس الاستواء على كرسيٍّ مستقرٍّ كالاستواء على رحل بعيرٍ صعبٍ نفورٍ، فإذا تباينت في حقّ المخلوق؛ فالتّباين فيها بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.
والإيمان بالله تعالى على ما وصفنا يثمر للمؤمنين ثمراتٍ جليلةً، منها:
الأولى: تحقيق توحيـد الله تعالى، بحيث لا يتعلّـق بغيره رجـاءٌ، ولا خوفٌ، ولا يعبد غيره.
الثّانية: كمال محبّة الله تعالى وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى، وصفاته العليا.
الثّالثة: تحقيق عبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.
****
الإيمان بالملائكة
الملائكة: عالمٌ غيبيٌّ، مخلوقـون، عابـدون لله تعالـى، وليس لهـم من خصائص الرّبوبيّة والألوهيّة شيءٌ، خلقهم الله تعالى من نورٍ، ومنحهم الانقياد التّامّ لأمره، والقوّة على تنفيذه. قال الله تعالى: ﴿...وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ﴾ [الأنبياء:19-20].
وهم عددٌ كثيرٌ، لا يحصيهم إلّا الله تعالى، وقد ثبت في الصّحيحين من حديث أنسٍ رضي الله عنه في قصّة المعراج أنّ النّبيّ ﷺ رفع له البيت المعمور في السّماء، يصلّي فيه كلّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ، إذا خرجـوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.
والإيمان بالملائكة يتضمّن أربعة أمورٍ:
الأوّل: الإيمان بوجودهم.
الثّاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم نعلم أسماءهم نؤمن بهم إجمالًا.
الثّالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة (جبريل) فقد أخبر النّبيّ ﷺ أنّه رآه على صفته الّتي خلق عليها، وله ستّ مئة جناحٍ قد سدّ الأفق.
وقد يتحوّل الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجلٍ، كَمَا حَصَلَ (لِجِبْرِيلَ) حِينَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَرْيَمَ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، وَحِينَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ بِصِفَةِ رَجُلٍ شَدِيدِ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدِ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالسَّاعَةِ، وَأَمَارَاتِهَا؛ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ، ثُمَّ قَالَ ﷺ: «هَذَا جِبْرِيلُ؛ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»(8).
وكذلكَ الملائِكَةُ الَّذينَ أَرسَلَهُمُ اللَّهُ تعالى إلى إبراهِيمَ، ولُوطٍ كانوا على صُورَةِ رِجالٍ.
الرَّابعُ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ الإيمانُ بِالملائِكَةِ: الإيمانُ بِما عَلِمنا مِن أَعمالِهِمُ الَّتي يَقُومونَ بِها بِأمرِ اللَّهِ تعالى؛ كَتَسبِيحِهِ، والتَّعَبُّدِ لهُ لَيلاً ونَهارًا بِدونِ مَلَلٍ، ولا فُتُورٍ.
وقَدْ يكونُ لِبَعضِهِم أعمالٌ خاصَّةٌ.
مثلُ: جِبرِيلَ الأمِينِ على وَحْيِ اللَّهِ تعالى، يُرسِلُهُ اللَّهُ بهِ إلى الأنْبِياءِ والرُّسُل.
ومثلُ: مِيكائِيل: المُوَكَّلِ بِالقَطْر، أي بِالمَطَرِ والنَّبات.
ومثلُ: إسْرافِيل: المُوَكَّلِ بِالنَّفخِ فِي الصُّورِ عِندَ قِيامِ السَّاعَةِ وبَعثِ الخَلق.
ومثلُ: مَلَكِ المَوت: المُوَكَّلِ بِقَبضِ الأرواحِ عِندَ المَوت.
ومثلُ: مَالِكٍ: المُوَكَّلِ بِالنَّار، وهوَ خازِنُ النَّار.
ومثلُ: الملائِكَةُ المُوَكَّلِينَ بِالَأجِنَّةِ فِي الَأرْحَام، إذا أَتَمَّ الإنسانُ أربعةَ أشهُرٍ فِي بَطنِ أُمِّهِ، بَعَثَ اللَّهُ إليهِ مَلَكًا وأَمَرَهُ بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأَجَلِهِ، وعَمَلِهِ، وشَقِيٍّ أو سَعِيدٍ.
ومثلُ: الملائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفظِ أعمالِ بَنِي آدمَ وكِتابَتِها، لِكُلِّ إنسانٍ مَلَكان، أحَدُهما عَنِ اليَمِينِ والثَّانِي عَنِ الشَّمال.
ومثلُ: الملائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِسُؤالِ المَيِّتِ إذا وُضِعَ فِي قَبرِه؛ يأتِيهِ مَلَكانِ يَسألانِهِ عَن رَبِّهِ، ودِينِهِ، ونَبِيِّه.
والإيمانُ بِالملائِكَةِ يُثمِرُ ثَمَراتٍ جَلِيلَةً، مِنها:
الُأولى: العِلمُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تعالى، وقُوَّتِهِ، وسُلْطانِهِ؛ فإنَّ عَظَمَةَ المَخْلُوقِ تَدُلُّ على عَظَمَةِ الخالِق.
الثَّانية: شُكْرَ اللَّهِ تعالى على عِنايَتِهِ بِبَنِي آدم؛ حيثُ وَكَّلَ مِن هؤلاءِ الملائِكَةِ مَن يَقُومُ بِحِفظِهِم، وكتابةِ أعمالِهِم، وغيرِ ذلكَ مِن مَصالِحِهِم.
الثَّالثة: مَحَبَّةُ الملائِكَةِ على ما قاموا بهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تعالى.
وقَدْ أَنكَرَ قَومٌ مِنَ الزَّائِغِينَ كَونَ الملائِكَةِ أجْسامًا، وقالوا: إنَّهم عِبارةٌ عَن قُوَى الخَيرِ الكامِنَةِ فِي المَخْلُوقات، وهذا تَكذِيبٌ لِكِتابِ اللَّهِ تعالى، وسُنَّةِ رَسولِهِ ﷺ وإجماعِ المُسلِمِين.
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ...﴾ [فاطر:1].
وقالَ تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُم...﴾ [الأنفال:50].
وقالَ تعالى: ﴿...وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ...﴾ [الأنعام:93].
وقالَ تعالى: ﴿...حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ﴾ [سبأ:23].
وقالَ فِي أهلِ الجَنَّة: ﴿...وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد:23-24].
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ ﭬعَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ»(9).
وفِيهِ أيضًا عَن أَبِي هُرَيرَةَ ﭬقالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ الْمَلَائِكَةُ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»(10).
وهذهِ النُّصوصُ صَرِيحَةٌ فِي أنَّ الملائِكَةَ أجْسامٌ لا قُوًى مَعنَوِيَّةٌ، كَما قالَ الزَّائِغُون، وعلى مُقتَضَى هذهِ النُّصوصِ أجمَعَ المُسلِمُون.
****
الإيمانُ بِالكُتُب
الكُتُب: جَمعُ (كِتابٍ) بِمَعنى (مَكتوبٍ).
والمُرادُ بِها هُنا: الكُتُبُ الَّتي أَنزَلَها اللَّهُ تعالى على رُسُلِهِ رَحمَةً لِلْخَلْقِ، وهِدايَةً لَهم؛ لِيَصِلُوا بِها إلى سَعادَتِهِم فِي الدُّنيا والآخِرَة.
والإيمانُ بِالكُتُبِ يَتَضَمَّنُ أربعةَ أُمورٍ:
الأوَّل: الإيمانُ بأنَّ نُزُولَها مِن عِندِ اللَّهِ حَقًّا.
الثَّاني: الإيمانُ بِما عَلِمنا اسمَهُ مِنها بِاسمِهِ: كَالقُرآنِ الَّذي أُنزِلَ على مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوراةِ الَّتي أُنزِلَت على مُوسَى ﷺ والإنْجِيلِ الّذي أُنزِلَ على عِيسَى ﷺ والزَّبُورِ الَّذي أُوتِيَهُ دَاودُ ﷺ وأمَّا ما لَمْ نَعْلَم اسمَهُ فَنُؤمِنُ بهِ إجْمَالًا.
الثَّالث: تَصدِيقُ ما صَحَّ مِـن أَخبارِهـا، كَأخبارِ القُرآنِ، وأخبارِ ما لَمْ يُبَدَّل أو يُحَرَّف مِن الكُتُبِ السَّابِقَة.
الرَّابع: العَمَلُ بِأحكامِ ما لَمْ يُنسَخ مِنها، والرِّضا والتَّسلِيمُ بهِ، سَواءً أَفَهِمنا حِكمَتَهُ أَمْ لَمْ نَفهَمها، وجميعُ الكُتُبِ السَّابِقَةِ مَنسُوخَةٌ بِالقُرآنِ العَظِيم، قـالَ اللَّهُ تعالـى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ...﴾ [المائدة:48] أي: حاكِمًا عليه.
وعلى هذا: فلا يَجُوزُ العَمَلُ بِأيِّ حُكمٍ مِن أَحكامِ الكُتُبِ السَّابِقَـةِ إلَّا ما صَحَّ مِنها وأقَرَّهُ القُرآن.
والإيمانُ بِالكُتُبِ يُثمِرُ ثَمَراتٍ جَلِيلَةً، مِنها:
الُأولى: العِلمُ بِعِنايَةِ اللَّهِ تعالى بِعِبادِهِ؛ حيثُ أَنزَلَ لِكُلِّ قَـومٍ كِتابًا يَهدِيهِم بِه.
الثَّانية: العِلمُ بِحِكمَـِة اللَّهِ تعالى فِي شَرعِهِ؛ حيثُ شَرَعَ لِكُلِّ قَـومٍ ما يُناسِبُ أحوالَهُم، كما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿...لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ...﴾ [المائدة:48].
الثَّالثة: شُكْرُ نِعمَةِ اللَّهِ فِي ذلِك.
الإيمانُ بِالرُّسُل
الرُّسُلُ: جَمعُ (رَسُولٍ) بِمَعنَى: (مُرسَلٍ) أي مَبْعُوثٍ بِإبلاغِ شيءٍ.
والمُرادُ هُنا: مَن أُوحِيَ إليهِ مِنَ البَشَرِ بِشَرعٍ وأُمِرَ بِتَبلِيغِه.
وأوَّلُ الرُّسُلِ نُوحٌ عليهِ السَّلامُ وآخِرُهُم محمَّدٌ ﷺ.
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِ...﴾ [النساء:163].
وفي صحيح البخاريّ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه في حديث الشّفاعة أنّ النّبيّ ﷺ: «ذُكِرَ أَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إِلَى آدَمَ؛ لِيَشْفَعَ لَهُمْ، فَيَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ» وذكر تمام الحديث(11).
وقالَ اللَّهُ تعالى فِي محمَّدٍ ﷺ: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ...﴾ [الأحزاب].
ولَمْ تَخْلُ أُمَّةٌ مِن رسُولٍ يَبعَثُهُ اللَّهُ تعالى بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ إلى قَومِهِ، أو نَبِيٍّ يُوحَى إليهِ بِشَرِيعَةِ مَن قَبْلِهِ؛ لِيُجَدِّدَها، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ...﴾ [النحل:36].
وقالَ تعالى: ﴿...وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ﴾ [فاطر:24].
وقالَ تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ...﴾ [المائدة:44].
والرُّسُلُ بَشَرٌ مَخْلُوقُونَ، ليسَ لَهُم مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ والُألُوهِيَّةِ شيءٌ، قالَ اللَّهُ تعالى عَن نَبِيِّهِ محمَّدٍ وهوَ سَيِّدُ الرُّسُلِ، وأعظَمُهُم جاهًا عند اللَّه: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 188﴾ [الأعراف:188].
وقالَ تعالى: ﴿قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا 21 قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا 22﴾ [الجن:21-22].
وتَلحَقُهُم خَصائِصُ البَشَرِيَّةِ: مِنَ المَرَضِ، والمَوتِ، والحاجَةِ إلى الطَّعامِ، والشَّرابِ، وغيرِ ذلكَ، قالَ اللَّهُ تعالى عَن إبراهِيمَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِي وَصْفِهِ لِرَبِّهِ تعالى: ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ 79 وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ 80 وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ 81﴾ [الشعراء:79-81].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»(12).
وقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تعالى بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ فِي أعلى مَقاماتِهِم، وفِي سِياقِ الثَّناءِ عَلَيهِم؛ فقالَ تعالى فِي نُوحٍ ﷺ: ﴿...إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا﴾ [الإسراء:3]، وقالَ فِي محمَّدٍ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا 1﴾ [الفرقان:1].
وقالَ فِي إبراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ -صلَّى اللَّهُ عليهِم وسَلَّم-: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ 45 إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ 46 وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ 47﴾ [ص:45-47].
وقالَ فِي عِيسَى ابْنِ مَريَم: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 59﴾ [الزخرف:59].
والإيمانُ بِالرُّسُلِ يَتَضَمَّنُ أربعةَ أُمُورٍ:
الأوَّل: الإيمانُ بِأنَّ رِسالَتَهُم حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تعالى، فَمَنْ كَفَـرَ بِرِسالَـةِ واحِدٍ منهُم فَقَدْ كَفَرَ بِالجَميعِ، كما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 105﴾ [الشعراء:105] فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ مُكَذِّبِينَ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ معَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولٌ غَيرُهُ حِينَ كَذَّبُوهُ، وعلى هذا فَالنَّصارَى الَّذينَ كَذَّبُوا محمَّدًا ﷺ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ؛ هُم مُكَذِّبُونَ لِلمَسِيحِ ابْنِ مَريَمَ، غيرُ مُتَّبِعِينَ لهُ أيضًا، لا سِيَّما أَنَّهُ قَدْ بَشَّرَهُمْ بِمحمَّدٍ ﷺ ولا مَعنَى لِبِشارَتِهِم بهِ إلَّا أنَّهُ رسُولٌ إليهِم، يُنْقِذُهُمُ اللَّهُ بهِ مِنَ الضَّلالةِ، ويَهْدِيهِم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
الثَّاني: الإيمانُ بِمَنْ عَلِمْنَا اسمَهُ مِنهُم بِاسمِهِ مثلَ: محمَّدٍ، وإبراهِيمَ، وموسَى، وعِيسَى، ونُوحٍ -عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلام- وهؤلاءِ الخمسةُ هُم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وقَدْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تعالى فِي مَوْضِعَينِ مِنَ القُرآنِ فِي قَولِهِ: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا 7﴾ [الأحزاب:7] وقولِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ 13﴾ [الشورى:13].
وأمَّا مَنْ لَمْ نَعْلَم اسمَهُ مِنهُم؛ فَنُؤمِنُ بهِ إجْمالًا، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ...﴾ [غافر:78].
الثَّالث: تَصدِيقُ ما صَحَّ عَنهُم مِنْ أخبارِهِم.
الرَّابع: العَمَلُ بِشَرِيعَةِ مَنْ أُرسِلَ إلَينا مِنهُم، وهُوَ خاتَمُهُم محمَّدٌ ﷺ المُرسَلُ إلى جميعِ النَّاسِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا 65﴾ [النساء:65].
ولِلإيمانِ بِالرُّسُلُ ثَمَراتٌ جَلِيلَةٌ، مِنها:
الُأولَى: العِلمُ بِرَحمةِ اللَّهِ تعالى وعِنايَتِهِ بِعِبادِهِ؛ حيثُ أرْسَلَ إلَيهِمُ الرُّسُلَ؛ لِيَهدُوهُم إلى صِراطِ اللَّهِ تعالى، ويُبَيِّنُوا لهُم كيفَ يَعبُدُونَ اللَّهَ؛ لأنَّ العَقلَ البَشَرِيَّ لا يَستَقِلُّ بِمَعرِفَةِ ذلِك.
الثَّانية: شُكرُهُ تعالى على هذهِ النِّعمَةِ الكُبرَى.
الثَّالثة: مَحَبَّةُ الرُّسُلِ -عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وتَعظِيمُهُم، والثَّناءُ عليهِم بِمَا يَلِيقُ بِهِم؛ لأنَّهُم رُسُلُ اللَّهِ تعالى، ولأنَّهُم قامُوا بِعِبادَتِهِ، وتَبلِيغِ رِسالَتِهِ، والنُّصحِ لِعِبادِهِ.
وقَدْ كَذَّبَ المُعانِدُونَ رُسُلَهُم زاعِمِينَ أنَّ رُسُلَ اللَّهِ تعالى لا يَكُونُونَ مِنَ البَشَرِ! وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تعالى هذا الزَّعمَ، وأَبْطَلَهُ بِقَولِهِ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا 94 قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا 95﴾ [الإسراء:94-95].
فأبْطَلَ اللَّهُ تعالى هذا الزَّعْمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ أن يكونَ الرَّسُولُ بَشَرًا؛ لأنَّهُ مُرْسَلٌ إلى أهلِ الأرضِ وهُمْ بَشَرٌ، ولو كانَ أهلُ الأرضِ مَلائِكَةً لَنَزَّلَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا؛ لِيَكُونَ مِثلَهُم، وهَكَذا حَكَى اللَّهُ تعالى عَنِ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ أنَّهُم قَالُوا: ﴿...إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ...﴾ [إبراهيم:10-11].
****
الإيمانُ بِاليَومِ الآخِر
اليَومُ الآخِرُ: يَومُ القِيامَةِ الَّذِي يُبْعَثُ النَّاسُ فيهِ لِلحِسَابِ والجَزَاء.
وسُمِّيَ بِذلِكَ؛ لأنَّهُ لا يَومَ بَعدَهُ؛ حَيثُ يَستَقِرُّ أَهلُ الجَنَّةِ فِي مَنازِلِهِم، وأَهلُ النَّارِ فِي مَنازِلِهِم.
والإيمانُ بِاليومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ ثلاثَةَ أُمورٍ:
الأوَّل: الإيمانُ بِالبَعْثِ: وهُوَ إِحيَاءُ المَوتَى حِينَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَيَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، حُفَاةً غَيرَ مُنْتَعِلِينَ، عُرَاةً غَيرَ مُسْتَتِرِينَ، غُرْلًا غَيرَ مُخْتَتِنِينَ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿...كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ﴾ [الأنبياء:104].
والبَعْثُ: حَقٌّ ثابِتٌ، دَلَّ عليهِ الكِتابُ، والسُّنَّةُ، وإجْماعُ المُسلِمِين.
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ 15 ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ 16﴾ [المؤمنون:15-16].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»(13). متَّفقٌ عليه.
وأَجْمَعَ المُسلِمُونَ على ثُبُوتِهِ، وهوَ مُقْتَضَى الحِكْمَةِ؛ حيثُ تَقْتَضِي أن يَجعَلَ اللَّهُ تعالى لِهذهِ الخَلِيقَةِ مَعادًا، يُجازِيهِم فِيهِ على ما شَرَعَهُ لَهُم فِيما بَعَثَ بهِ رُسُلَهُ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ 115﴾ [المؤمنون:115].
وقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ...﴾ [القصص:85].
الثَّاني: الإيمانُ بِالحِسابِ والجَزَاءِ: يُحاسَبُ العَبدُ على عَمَلِهِ، ويُجازَى عليهِ، وقَدْ دَلَّ على ذلِكَ الكِتابُ، والسُّنَّةُ، وإجْماعُ المُسلِمِين.
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ 25 ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم 26﴾ [الغاشية:25-26].
وقالَ تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 160﴾ [الأنعام:160].
وقالَ تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ 47﴾ [الأنبياء:47].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهُما أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسَلَّمَ- قالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ - أَيْ سَتْرَهُ - وَيَسْتُرُهُ: فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ»(14) متَّفقٌ عليه.
وصَحَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ: «أَنَّ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا؛ كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَأَنَّ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَعَمِلَهَا؛ كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً»(15).
وقَدْ أجْمَعَ المُسلِمونَ على إثْباتِ الحِسابِ والجَزَاءِ على الأعمالِ، وهوَ مُقْتَضَى الحِكمَةِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى أَنْزَلَ الكُتُبَ، وأَرْسَلَ الرُّسُلَ، وفَرَضَ على العِبادِ قَبُولَ ما جاءُوا بهِ، والعَمَلَ بِمَا يَجِبُ العَمَلُ بهِ مِنهُ، وأَوْجَبَ قِتالَ المُعارِضِينَ لهُ وأَحَلَّ دِمَاءَهُم، وذُرِّيَّاتِهِم، ونِسَاءَهُم، وأَمْوَالَهُم، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حِسَابٌ ولا جَزَاءٌ لَكانَ هذا مِنَ العَبَثِ الَّذِي يُنَزَّهُ الرَّبُّ الحَكِيمُ عَنهُ، وقَدْ أَشَارَ اللَّهُ تعالى إلى ذلِكَ بِقَولِهِ: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 6 فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ 7﴾ [الأعراف:6-7].
الثَّالث: الإيمانُ بِالجَنَّةِ والنَّارِ وأنَّهُما المَآلُ الأبَدِيُّ لِلخَلق.
فَالجَنَّةُ دَارُ النَّعِيمِ الَّتي أعَدَّها اللَّهُ تعالى لِلمُؤمِنِينَ المُتَّقِينَ، الَّذِينَ آمنُوا بِمَا أَوجَبَ اللَّهُ عليهِمُ الإيمانَ بهِ، وقامُوا بِطاعَةِ اللَّهِ ورسُولِهِ، مُخلِصِينَ لِلَّهِ، مُتَّبِعِينَ لِرَسُولِهِ، فِيها مِن أنواعِ النَّعِيم «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»(16)، قالَ اللَّهُ تعالـى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ 7 جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ 8﴾ [البينة:7-8].
وقالَ تعالى: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 17﴾ [السجدة:17].
وأمَّا النَّارُ: فَهِيَ دَارُ العَذابِ الَّتي أعَدَّها اللَّهُ تعالى لِلكافِرِينَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ كَفَرُوا بهِ وعَصَوا رُسُلَهُ، فِيها مِنْ أنواعِ العَذابِ، والنَّكالِ ما لا يَخطُرُ على البالِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 131﴾ [آل عمران:131].
وقالَ تعالى: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا 29﴾ [الكهف:29].
وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا 64 خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 65 يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ 66﴾ [الأحزاب:64-66].
ولِلإيمانِ بِاليومِ الآخِرِ ثَمَراتٌ جَلِيلَةٌ، مِنها:
الُأولى: الرَّغبَةُ فِي فِعلِ الطَّاعَةِ، والحِرصُ عَليها؛ رَجاءً لِثَوابِ ذلِكَ اليوم.
الثّانية: الرّهبة من فعل المعصية، ومن الرّضى بها؛ خوفًا من عقاب ذلك اليوم.
الثَّالثة: تَسْلِيَةُ المُؤمِنِ عَمَّا يَفُوتُهُ مِنَ الدُّنيا بِمَا يَرجُوهُ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، وثَوابِها.
وقَدْ أنْكَرَ الكافِرُونَ البَعْثَ بَعْدَ المَوتِ؛ زَاعِمِينَ أنَّ ذلِكَ غَيرُ مُمْكِنٍ.
وهذا الزَّعمُ باطِلٌ، دَلَّ على بُطْلانِهِ الشَّرعُ، والحِسُّ، والعَقل.
أمَّا الشَّرعُ فَقَد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 7﴾ [التغابن:7]. وقَدِ اتَّفَقَت جميعُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ عليه.
وأَمَّا الحِسُّ: فَقَد أَرَى اللَّهُ عِبادَهُ إحياءَ المَوتَى فِي هذهِ الدُّنيا، وفِي سُورَةِ البقرةِ، خَمسَةُ أمثِلَةٍ على ذلِكَ، هي:
المِثالُ الأوَّل: قَومُ مُوسَى حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿...لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ ...﴾ [البقرة:55] فَأَماتَهُمُ اللَّهُ تعالى، ثُمَّ أحياهُم، وفِي ذلِكَ يَقولُ اللَّهُ تعالى مُخاطِبًا بَنِي إِسْرائِيل: ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ 55 ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 56﴾ [البقرة:55-56].
المِثالُ الثَّاني: فِي قِصَّةِ القَتِيلِ الَّذي اخْتَصَمَ فِيهِ بَنُو إسرائِيلَ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تعالى أن يَذبَحُوا بَقَرَةً فَيَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها؛ لِيُخبِرَهُم بِمَن قَتَلَهُ، وفِي ذلِكَ يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ 72 فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 73﴾ [البقرة:72-73].
المِثالُ الثَّالث: فِي قِصَّةِ القَوْمِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِم فِرارًا مِنَ المَوتِ وهُم أُلُوفٌ؛ فَأَماتَهُمُ اللَّهُ تعالى، ثُمَّ أَحْيَاهُم، وفِي ذلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ 243﴾ [البقرة:243].
المثالُ الرَّابع: فِي قِصَّةِ الَّذِي مَرَّ على قَريَةٍ مَيِّتَةٍ، فَاسْتَبْعَدَ أن يُحْيِيَها اللَّهُ تعالى؛ فَأَماتَهُ اللَّهُ تعالى مِئَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ أَحياهُ، وفِي ذلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تعالى: ﴿أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 259﴾ [البقرة:259].
المثالُ الخامِس: فِي قِصَّةِ إبراهِيمَ الخلِيلِ، حِينَ سَألَ اللَّهَ تعالى أن يُرِيَهُ كَيفَ يُحْيِي المَوتَى؛ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تعالى أن يَذْبَحَ أربَعَةً مِنَ الطَّيرِ، ويُفَرِّقَهُنَّ أَجزَاءً على الجِبالِ الَّتي حَولَهُ، ثُمَّ يُنادِيَهُنَّ؛ فَتَلْتَئِمُ الأجزَاءُ بَعْضُها إلى بَعضٍ، ويَأْتِينَ إلى إبراهِيمَ سَعْيًا، وفي ذلِكَ يَقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 260﴾ [البقرة:260].
فهذِهِ أمثِلَةٌ حِسِّيَّةٌ واقِعَةٌ، تَدُلُّ على إِمكانِ إِحياءِ المَوتَى، وقَدْ سَبَقَتِ الإشارَةُ إلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ تعالى مِنْ آياتِ عِيسَى ابْنِ مَريَمَ فِي إِحياءِ المَوتَى، وإِخراجِهِم مِنْ قُبُورِهِم -بِإِذنِ اللَّهِ تعالى-.
وأمَّا دَلالَةُ العَقلِ: فَمِن وَجهَين:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرضِ، وما فِيهِما، خالِقُهُما ابتِداءً، والقادِرُ على ابتِداءِ الخَلقِ لا يَعجِزُ عَنْ إعادَتِهِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ...﴾ [الروم:27].
وقالَ تعالى: ﴿...كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ﴾ [الأنبياء:104].
وقالَ آمِرًا بِالرَّدِّ على مَنْ أنْكَرَ إحياءَ العِظامِ وهيَ رَمِيمٌ: ﴿قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ 79﴾ [يس:79].
الثَّاني: أنَّ الأرضَ تَكونُ مَيِّتَةً هَامِدَةً، لَيسَ فِيها شَجَرَةٌ خَضراءُ؛ فَيَنزِلُ عليها المَطَرُ؛ فَتَهتَزُّ خَضراءَ حَيَّةً، فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، والقادِرُ على إحيائِها بَعدَ مَوتِها، قادِرٌ على إحياءِ الأمواتِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 39﴾ [فصلت:39].
وقالَ تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ 9 وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ 10 رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ 11﴾ [ق:9-11].
ويَلتَحِقُ بِالإيمانِ بِاليومِ الآخِرِ: الإيمانُ بِكُلِّ ما يَكُونُ بَعدَ المَوتِ مِثلَ:
(أ) فِتنَةُ القَبرِ: وهيَ سُؤالُ المَيِّتِ بَعدَ دَفنِهِ عَن رَبِّهِ، ودِينِهِ، ونَبِيِّهِ؛ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنوا بِالقَولِ الثَّابِتِ، فَيَقولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، ودِينِيَ الإسلامُ، ونَبِيِّيَ محمَّدٌ ﷺ ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ فَيَقولُ الكافِرُ: هَاهْ، هَاهْ، لا أَدْرِي، ويَقولُ المُنافِقُ أوِ المُرْتَابُ: لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئًا فَقُلْتُه.
(ب) عَذابُ القَبرِ ونَعِيمُهُ: فَيَكُونُ لِلظَّالِمِينَ مِنَ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿...وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [الأنعام:93].
وقالَ تعالى فِي آلِ فِرْعَوْن: ﴿ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ 46﴾ [غافر:46].
وفِي صَحيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ ﭬعَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ» ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ». قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ(17).
وأمَّا نَعِيمُ القَبرِ: فَلِلمُؤمِنِينَ الصَّادِقِينَ قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ 30﴾ [فصلت:30].
وقالَ تعالى: ﴿فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ 83 وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ 84 وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ 85 فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ 86 تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 87 فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ 88 فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ 89﴾ [الواقعة:83-89].
وعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﭬأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ فِي المُؤمِنِ إذا أَجابَ المَلَكَيْنِ فِي قَبْرِه: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَافْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ» رواه أحمد وأبو داود في حديثٍ طويلٍ(18).
وقَدْ ضَلَّ قَومٌ مِن أَهلِ الزَّيغِ فَأنكَرُوا عَذابَ القَبرِ، ونَعِيمَهُ، زَاعِمِينَ أنَّ ذَلِكَ غَيرُ مُمْكِنٍ لِمُخالَفَتِهِ الواقِعَ، قالوا: فإنَّهُ لَوْ كُشِفَ عَنِ المَيِّتِ فِي قَبرِهِ لَوُجِدَ كَما كانَ عَلَيهِ، والقَبرُ لَمْ يَتَغَيَّر بِسَعَةٍ ولا ضِيقٍ.
وهَذا الزَّعمُ باطِلٌ بِالشَّرعِ، والحِسِّ، والعَقل:
أمَّا الشَّرعُ: فَقَد سَبَقَتِ النُّصوصُ الدَّالَّةُ على ثُبُوتِ عَذابِ القَبرِ، ونَعِيمِه.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﭭقَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ؛ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ بَوْلِهِ» «وَأَنَّ الْآخَرَ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ»(19).
وأمَّا الحِسُّ: فإنَّ النَّائِمَ يَرَى فِي مَنامِهِ أنَّهُ كانَ فِي مَكانٍ فَسِيحٍ بَهِيجٍ، يَتَنَعَّمُ فِيهِ، أو أنَّهُ كانَ فِي مَكانٍ ضَيِّقٍ مُوحِشٍ، يَتَأَلَّمُ مِنهُ، ورُبَّما يَستَيقِظُ أَحيانًا مِمَّا رَأَى، ومعَ ذلكَ فَهوَ على فِراشِهِ فِي حُجرَتِهِ على ما هوَ عليهِ، والنَّومُ أخُو المَوتِ؛ ولِهذا سَمَّاهُ اللَّهُ تعالى: (وَفَاةً) قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّى...﴾ [الزمر:42].
وأمَّا العَقلُ: فَإنَّ النَّائِمَ فِي مَنامِهِ يَرَى الرُّؤيا الحَقَّ المُطابِقَةَ لِلواقِعِ، ورُبَّما رَأى النَّبيَّ ﷺ على صِفَتِهِ، ومَنْ رَآهُ على صِفَتِهِ؛ فَقَد رَآهُ حَقًّا، ومَعَ ذلكَ، فَالنَّائِمُ فِي حُجْرَتِهِ على فِراشِهِ بَعِيدٌ عَمَّا رَأى، فإذا كانَ هذا مُمْكِنًا فِي أَحوالِ الدُّنيا أفَلا يَكُونُ مُمْكِنًا فِي أَحوالِ الآخِرَة؟!
وأمَّا اعْتِمادُهُم فِيما زَعَمُوهُ على أنَّهُ لَو كُشِفَ عَنِ المَيِّتِ فِي قَبرِهِ؛ لَوُجِدَ كما كانَ عليهِ، والقَبرُ لَمْ يَتَغَيَّر بِسَعَةٍ ولا ضِيقٍ؛ فَجَوابُهُ مِنْ وُجُوهٍ مِنها:
الأوَّل: أنَّهُ لا تَجُوزُ مُعارَضَةُ ما جاءَ بهِ الشَّرعُ، بِمِثلِ هذهِ الشُّبُهاتِ الدَّاحِضَةِ الَّتي لو تَأمَّلَ المُعارِضُ بِها ما جاءَ بهِ الشَّرعُ حَقَّ التَّأمُّلِ لَعَلِمَ بُطلانَ هذهِ الشُّبُهاتِ، وقَدْ قِيل:
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا *** وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
الثَّاني: أنَّ أَحْوالَ البَرْزَخِ مِن أُمُورِ الغَيبِ الَّتي لا يُدْرِكُها الحِسُّ، ولَو كانَت تُدْرَكُ بِالحِسِّ لَفَاتَتْ فائِدَةُ الإيمانِ بِالغَيبِ، ولَتَسَاوَى المُؤمِنُونَ بِالغَيبِ والجاحِدُونَ فِي التَّصدِيقِ بِها.
الثَّالث: أنَّ العَذابَ، والنَّعِيمَ، وسَعَةَ القَبرِ، وضِيقَهُ؛ إنَّما يُدرِكُها المَيِّتُ دُونَ غَيرِهِ، وهذا كما يَرَى النَّائِمُ فِي مَنامِهِ أنَّهُ فِي مَكانٍ ضَيِّقٍ مُوحِشٍ، أو فِي مَكانٍ وَاسِعٍ بَهِيجٍ، والَّذِي حَولَهُ لا يَرَى ذلكَ ولا يَشعُرُ بِه، ولَقَد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُوحَى إلَيهِ وهوَ بَينَ أَصحابِهِ؛ فَيَسمَعُ الوَحْيَ، ولا يَسمَعُهُ الصَّحابةُ، ورُبَّما يَتَمَثَّلُ لهُ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُهُ، والصَّحابَةُ لا يَرَونَ المَلَكَ، ولا يَسمَعُونَه.
الرَّابع: أنَّ إدرَاكَ الخَلقِ مَحدُودٌ بِما مَكَّنَهُمُ اللَّهُ تعالى مِن إِدْراكِهِ، ولا يُمكِنُ أَن يُدرِكُوا كُلَّ مَوجُودٍ، فَالسَّماواتُ السَّبعُ، والأرضُ، ومَن فِيهِنَّ، وكُلُّ شَيءٍ يُسَبِّحُ بِحَمدِ اللَّهِ تَسبِيحًا حَقِيقِيًّا، يسمعهُ اللَّهُ تعالى مَن شاءَ مِن خَلقِهِ أحيانًا، ومعَ ذلكَ فهوَ مَحْجُوبٌ عنَّا، وفِي ذلكَ يَقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ...﴾ [الإسراء:44] وهكذا الشَّياطِينُ والجِنُّ يَسعَونَ فِي الأرضِ ذَهابًا وإيابًا، وقَد حَضَرَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واستَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وأنْصَتُوا، وَوَلَّوا إلى قَومِهِم مُنذِرِينَ، ومَعَ هذا فَهُم مَحْجُوبُونَ عَنَّا، وفي ذلكَ يَقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ 27﴾ [الأعراف:27] وإذا كانَ الخَلقُ لا يُدرِكُونَ كُلَّ مَوجُودٍ؛ فَإنَّهُ لا يَجوزُ أن يُنكِروا ما ثَبَتَ من أُمورِ الغَيبِ، ولَم يُدرِكُوه.
الإيمانُ بِالقَدَر
القَدَرُ (بِفَتحِ الدَّال): تَقدِيرُ اللَّهِ تعالى لِلكائِناتِ، حَسبَما سَبَقَ بهِ عِلمُهُ، واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُه.
والإيمانُ بِالقَدَرِ يَتَضَمَّنُ أربعةَ أُمُورٍ:
الأوَّل: الإيمانُ بِأنَّ اللَّهَ تعالى عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، أَزَلًا وأَبَدًا، سَواءً كانَ ذلكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأفْعالِهِ، أو بِأَفْعالِ عِبادِه.
الثَّاني: الإيمانُ بِأنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ ذلكَ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ، وفِي هَذَينِ الأمرَينِ يَقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 70﴾ [الحج:70].
وفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»(20).
الثَّالث: الإيمانُ بِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ لا تَكُونُ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تعالى، سَواءً أكانَت مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِفِعلِهِ، أَم مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِفِعلِ المَخلُوقِينَ، قالَ اللَّهُ تعالى فِيما يَتَعَلَّقُ بِفِعلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ...﴾ [القصص:68]، وقال: ﴿...وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم:27]، وقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ...﴾ [آل عمران:6]، وقال تعالى فيما يتعلّق بفعل المخلوقين: ﴿...وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ...﴾ [النساء:90]، وقال: ﴿...وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُون﴾ [الأنعام:112].
الرَّابع: الإيمانُ بِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ مَخلُوقَةٌ لِلَّهِ تعالى بِذَوَاتِها، وصِفاتِها، وحَرَكاتِها، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ 62﴾ [الزمر:62]، وقالَ سُبحانَه: ﴿...وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [الفرقان:2]، وقالَ عَن نَبِيِّهِ إبراهِيمَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَومِهِ: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ 96﴾ [الصافات:96].
والإيمانُ بِالقَدَرِ -على ما وَصَفنا- لا يُنافِي أن يَكُونَ لِلعَبدِ مَشِيئَةٌ فِي أَفْعالِهِ الاخْتِيارِيَّةِ، وقُدرَةٌ عَلَيها؛ لأِنَّ الشَّرعَ والواقِعَ دَالَّانِ على إثباتِ ذلكَ لَه.
أمَّا الشَّرعُ: فَقَد قالَ اللَّهُ تعالى فِي المَشِيئَة: ﴿...فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا﴾ [النبأ:39]، وقال: ﴿...فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ...﴾ [البقرة:223]، وقالَ فِي القُدْرَة: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ...﴾ [التغابن:16]، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ...﴾ [البقرة:286].
وأمَّا الواقِعُ: فَإنَّ كُلَّ إنسانٍ يَعلَمُ أنَّ لَهُ مَشِيئَةً وقُدرَةً، بِهِما يَفعَلُ، وبِهِما يَترُكُ، ويُفَرِّقُ بَينَ ما يَقَعُ بِإرَادَتِهِ كَالمَشْيِ، وما يَقَعُ بِغَيرِ إِرادَتِهِ كَالِارْتِعاشِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ العَبدِ وقُدرَتَهُ واقِعَتانِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تعالى وقُدْرَتِهِ؛ لِقَولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ 28 وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 29﴾ [التكوير:28-29] ولأِنَّ الكَونَ كُلَّهُ مُلْكٌ لِلَّهِ تعالى؛ فَلا يَكونُ فِي مُلْكِهِ شَيءٌ بِدونِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِه.
والإيمانُ بِالقَدَرِ -على ما وَصَفنا- لا يَمنَحُ العَبدَ حُجَّةً على ما تَرَكَ مِنَ الواجِباتِ، أَو فَعَلَ مِنَ المَعاصِي، وعلى هذا فَاحْتِجاجُهُ بِهِ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّل: قَولُهُ تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ 148﴾ [الأنعام:148] ولَو كانَ لَهُم حُجَّةٌ بِالقَدَرِ ما أَذاقَهُمُ اللَّهُ بَأسَه.
الثَّاني: قَولُهُ تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا 165﴾ [النساء:165] ولَو كانَ القَدَرُ حُجَّةً لِلمُخالِفِينَ لَم تَنْتَفِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ؛ لأِنَّ المُخالَفَةَ بَعدَ إرسالِهِم واقِعَةٌ بِقَدَرِ اللَّهِ تعالى.
الثَّالث: ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ -واللَّفظُ لِلبُخارِيِّ- عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﭬأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ 5﴾ [الليل:5]. وفِي لَفظٍ لِمُسلِمٍ: «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»(21) فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِالعَمَلِ، ونَهَى عَنِ الاتِّكالِ على القَدَر.
الرَّابع: أنَّ اللَّهَ تعالى أَمَرَ العَبدَ وَنَهاهُ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُ إلَّا ما يَسْتَطِيع، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ...﴾ [التغابن:16]، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ...﴾ [البقرة:286] ولَو كانَ العَبدُ مُجْبَرًا على الفِعلِ لَكانَ مُكَلَّفًا بِما لا يَستَطِيعُ الخَلاصَ مِنهُ، وهذا باطِلٌ؛ ولِذَلِكَ إذا وَقَعَت مِنهُ المَعصِيَةُ بِجَهلٍ، أو نِسيانٍ، أو إِكرَاهٍ؛ فلا إثمَ عَلَيهِ؛ لأنَّهُ مَعذُورٌ.
الخامس: أنَّ قَدَرَ اللَّهِ تعالى سِرٌّ مَكتُومٌ لا يُعْلَمُ بِهِ إلَّا بَعدَ وُقُوعِ المَقْدُورِ، وإرَادَةُ العَبدِ لِمَا يَفعَلُهُ سَابِقَةٌ على فِعلِهِ؛ فَتَكُونُ إرَادَتُهُ الفِعلَ غَيرَ مَبنِيَّةٍ على عِلمٍ مِنهُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وحِينَئِذٍ تَنتَفِي حُجَّتُهُ بِالقَدَرِ؛ إِذ لا حُجَّةَ لِلمَرءِ فِيما لا يَعلَمُه.
السَّادس: أنَّنا نَرَى الإنسانَ يَحرِصُ على ما يُلائِمُهُ مِن أُمُورِ دُنياهُ؛ حَتَّى يُدرِكَهُ، ولا يَعدِلُ عَنهُ إلى ما لا يُلائِمُهُ، ثُمَّ يَحْتَجُّ على عُدُولِهِ بِالقَدَرِ؛ فَلِماذا يَعدِلُ عَمَّا يَنفَعُهُ فِي أُمُورِ دِينِهِ إلى ما يَضُرُّهُ ثُمَّ يَحْتَجُّ بِالقَدَرِ؟ أَفَلَيسَ شَأنُ الأمرَينِ واحِدًا؟!
وإلَيكَ مِثالًا يُوَضِّحُ ذلِك:
لَو كانَ بَينَ يَدَيِ الإنسانِ طرِيقانِ: أَحَدُهُما: يَنتَهِي بِهِ إلى بَلَدٍ كُلُّها فَوضَى: قَتلٌ، ونَهْبٌ، وانتِهاكٌ لِلأعْراضِ، وخَوفٌ، وجُوعٌ. والثَّاني: يَنتَهِي بِهِ إلى بَلَدٍ كُلُّها نِظامٌ، وأَمْنٌ مُسْتَتِبٌّ، وعَيْشٌ رَغِيدٌ، واحتِرامٌ لِلنُّفُوسِ والأعْراضِ والأموَالِ، فَأَيَّ الطَّرِيقَينِ يَسْلُكُ؟
إنَّهُ سَيَسْلُكُ الطَّريقَ الثَّانيَ الَّذي يَنتَهِي بِهِ إلى بَلَدِ النِّظامِ والأمنِ، ولا يُمكِنُ لأِيِّ عاقِلٍ أبدًا أن يَسْلُكَ طرِيقَ بَلَدِ الفَوضَى، والخَوفِ، ويَحتَجَّ بِالقَدَر. فَلِماذا يَسْلُكُ فِي أَمرِ الآخِرَةِ طرِيقَ النَّارِ دُونَ الجَنَّةِ ويَحْتَجُّ بِالقَدَر؟
ومِثالًا آخَرَ: نَرَى المَرِيضَ يُؤمَرُ بِالدَّواءِ؛ فَيَشرَبُهُ، ونَفْسُهُ لا تَشتَهِيهِ، ويُنْهَى عَنِ الطَّعامِ الَّذِي يَضُرُّهُ؛ فَيَترُكُهُ، ونَفْسُهُ تَشتَهِيهِ، كُلُّ ذلكَ طَلبًا لِلشِّفاءِ والسَّلامةِ، ولا يُمكِنُ أن يَمتَنِعَ عَن شُربِ الدَّواءِ، أو يأكُلَ الطَّعامَ الَّذِي يَضُرُّهُ، وَيَحتَجَّ بِالقَدَر. فَلِماذا يَترُكُ الإنسانُ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ أو يَفعَلُ ما نَهَى اللَّهُ عنهُ ورَسُولُهُ ثُمَّ يَحْتَجُّ بِالقَدَر؟
السَّابع: أنَّ المُحتَجَّ بِالقَدَرِ على ما تَرَكَهُ مِنَ الواجِباتِ، أو فَعَلَهُ مِنَ المَعاصِي، لو اعتَدَى عَلَيهِ شَخصٌ فَأخَذَ مَالَهُ، أو انتَهَكَ حُرْمَتَهُ، ثُمَّ احْتَجَّ بِالقَدَرِ، وقالَ: لا تَلُمنِي فَإنَّ اعتِدائِي كانَ بِقَدَرِ اللَّهِ - لَم يقْبَلْ حُجَّتُهُ، فكَيفَ لا يقبَلُ الاحتِجاجُ بِالقَدَرِ فِي اعتِداءِ غَيرِهِ عَلَيهِ، وَيَحتَجُّ بِهِ لِنَفسِهِ فِي اعتِدائِهِ على حَقِّ اللَّهِ تعالى؟!
ويُذكَرُ أنَّ أمِيرَ المؤمِنِينَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﭬرُفِعَ إلَيهِ سارِقٌ اسْتَحَقَّ القَطْعَ؛ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ فقالَ: مهلًا يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، فإنَّما سَرَقْتُ بِقَدَرِ اللَّهِ؛ فقالَ عمرُ: ونَحْنُ إنَّما نَقْطَعُ بِقَدَرِ اللَّه.
ولِلإيمانِ بِالقَدَرِ ثَمَراتٌ جَلِيلةٌ، مِنها:
الُأولى: الاعتِمادُ على اللَّهِ تعالى عِندَ فِعلِ الأسْبابِ، بِحَيثُ لا يَعتَمِدُ على السَّبَبِ نَفسِهِ؛ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَدَرِ اللَّهِ تعالى.
الثَّانية: أن لا يُعجَبَ المَرءُ بِنَفْسِهِ عِندَ حُصولِ مُرادِهِ؛ لأنَّ حُصولَهُ نِعمَةٌ مِنَ اللَّهِ تعالى بِما قَدَّرَهُ مِن أَسبابِ الخَيرِ والنَّجاحِ، وإعْجابُهُ بِنَفْسِهِ يُنسِيهِ شُكرَ هذِهِ النَّعمَة.
الثَّالثة: الطُّمأنِينَةُ، والرَّاحةُ النَّفسِيَّةُ بِما يَجرِي عليهِ مِن أقْدارِ اللَّهِ تعالى؛ فلا يَقلَقُ بِفَواتِ مَحبُوبٍ، أو حُصولِ مَكرُوهٍ؛ لأِنَّ ذلكَ بِقَدَرِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرضِ، وهوَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وفِي ذَلكَ يَقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 22 لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ 23﴾ [الحديد:22-23]، ويقولُ النَّبيُّ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(22).
وقَد ضَلَّ فِي القَدَرِ طائِفَتان:
إحداهُما: الجَبْرِيَّةُ الَّذِينَ قالوا: إنَّ العَبدَ مُجْبَرٌ على عَمَلِهِ، ولَيسَ لَهُ فِيهِ إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ.
الثَّانية: القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ قالوا: إنَّ العَبدَ مُستَقِلٌّ بِعَمَلِهِ فِي الإرادَةِ، والقُدرَة، ولَيسَ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تعالى وقُدْرَتِهِ فِيهِ أثَرٌ.
والرَّدُّ على الطَّائِفَةِ الُأولَى (الجَبْرِيَّة) بِالشَّرعِ والواقِع:
أمَّا الشَّرعُ: فإنَّ اللَّهَ تعالى أَثْبَتَ لِلعَبدِ إرادَةً ومَشِيئَةً، وأضافَ العَمَلَ إلَيهِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿...مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ...﴾ [آل عمران:152]، وقالَ تعالى: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ...﴾ الآية [الكهف:29]، وقالَ تعالى: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ 46﴾ [فصلت:46].
وأمَّا الواقِعُ: فإنَّ كُلَّ إنسانٍ يَعلَمُ الفَرقَ بَينَ أفعالِهِ الاخْتِيارِيَّةِ الَّتي يَفعَلُها بِإرادَتِهِ: كَالأكلِ، والشُّربِ، والبَيعِ، والشِّراءِ، وبَينَ ما يَقَعُ عَلَيهِ بِغَيرِ إرادَتِهِ: كَالارْتِعاشِ مِنَ الحُمَّى، والسُّقُوطِ مِنَ السَّطح، فهوَ فِي الأوَّل فاعلٌ مُختارٌ بِإرادَتِهِ مِن غَيرِ جَبرٍ، وفِي الثَّاني غَيرُ مُختارٍ، ولا مُرِيدٍ لِما وَقَعَ عَليه.
والرَّدُّ على الطَّائِفَةِ الثَّانِيةِ (القَدَرِيَّة) بِالشَّرعِ والعَقل:
أمَّا الشَّرعُ: فإنَّ اللَّهَ تعالى خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وكُلُّ شَيءٍ كائِنٌ بِمَشِيئَتِهِ، وقَد بَيَّنَ اللَّهُ تعالى فِي كِتابِهِ أنَّ أفعالَ العِبادِ تَقَعُ بِمَشِيئَتِهِ فقالَ تعالى: ﴿...وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:253]، وقالَ تعالى: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ 13﴾ [السجدة:13].
وأمَّا العَقلُ: فإنَّ الكَونَ كُلَّهُ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تعالى، والإنسانُ مِن هذا الكَونِ؛ فهوَ مملُوكٌ لِلَّهِ تعالى، ولا يُمكِنُ لِلمَملُوكِ أن يَتَصَرَّفَ فِي مُلْكِ المالِكِ إلَّا بِإذنِهِ ومَشِيئَتِه.
****
أَهدَافُ العَقِيدَةِ الإِسْلامِيَّة
الهَدَفُ (لُغَةً): يُطلَقُ على مَعانٍ، مِنها: (الغَرَضُ يُنصَبُ لِيُرْمَى إليهِ، وكُلُّ شَيءٍ مَقصُودٌ).
وأهدافُ العَقِيدَةِ الإسلامِيَّة: مَقاصِدُها، وغاياتُها النَّبِيلَةُ، المُتَرَتِّبَةُ على التَّمَسُّكِ بِها، وهيَ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، فَمِنها:
أوَّلًا: إخلاصُ النِّيَّةِ والعِبادَةِ لِلَّهِ تعالى وَحْدَهُ؛ لأنَّهُ الخالِقُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَوَجَبَ أن يَكُونَ القَصدُ والعِبادَةُ لَهُ وَحْدَه.
ثانيًا: تَحرِيرُ العَقلِ والفِكرِ مِنَ التَّخَبُّطِ الفَوضَوِيِّ النَّاشِئِ عَن خُلُوِّ القَلبِ مِن هذهِ العقيدَةِ؛ لأنَّ مَن خَلا قَلبُهُ مِنها فَهُوَ إمَّا فارِغُ القَلبِ مِن كُلِّ عَقِيدَةٍ وعابِدٌ لِلمادَّةِ الحِسِّيَّةِ فَقَط، وإمَّا مُتَخَبِّطٌ فِي ضَلالاتِ العَقائِدِ، والخُرافات.
ثالثًا: الرَّاحَةُ النَّفسِيَّةُ، والفِكرِيَّةُ، فلا قَلَقَ فِي النَّفسِ ولا اضْطِرابَ فِي الفِكرِ؛ لأنَّ هذهِ العَقِيدَةَ تَصِلُ المُؤمِنَ بِخالِقِهِ؛ فَيَرضَى بِهِ رَبًّا مُدَبِّرًا، وَحاكِمًا مُشَرِّعًا؛ فَيَطمَئِنُّ قَلبُهُ بِقَدَرِهِ، وَيَنشَرِحُ صَدرُهُ لِلإسلامِ؛ فلا يَبغِي عَنهُ بَدِيلًا.
رابعًا: سلامةُ القَصدِ والعَمَلِ مِنَ الانْحِرافِ فِي عِبادَةِ اللَّهِ تعالى، أو مُعامَلَةِ المَخلُوقِينَ؛ لأِنَّ مِن أُسُسِها الإيمانَ بِالرُّسُلِ، المُتَضَمِّنَ لاتِّباعِ طَرِيقَتِهِم ذاتِ السَّلامةِ فِي القَصدِ والعَمَل.
خامسًا: الحَزمُ والجِدُّ فِي الأمُورِ، بِحَيثُ لا يُفَوِّتُ فُرصَةً لِلعَملِ الصَّالِحِ إلَّا استَغَلَّها فِيهِ؛ رَجاءً لِلثَّواب، ولا يَرَى مَوقِعَ إثمٍ إلَّا ابتَعَدَ عَنهُ؛ خَوفًا مِنَ العِقابِ؛ لأِنَّ مِن أُسُسِها الإيمانَ بِالبَعثِ، والجَزَاءِ على الأعمال.
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ 132﴾ [الأنعام:132] وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلمٌ(23).
سادسًا: تَكوِينُ أُمَّةٍ قَوِيَّةٍ تَبذُلُ كُلَّ غَالٍ ورَخِيصٍ فِي تَثبِيتِ دِينِها، وتَوْطِيدِ دَعائِمِهِ، غَيرَ مُبالِيةٍ بِما يُصِيبُها فِي سَبِيلِ ذلِكَ، وفِي هذا يَقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ 15﴾ [الحجرات:15].
سابعًا: الوصُولُ إلى سَعادَةِ الدُّنيا والآخِرةِ بِإصلاحِ الأفرَادِ والجَماعاتِ، ونَيلِ الثَّوابِ والمُكرَماتِ، وفِي ذلِكَ يَقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 97﴾ [النحل:97].
هذهِ بعضُ أهدافِ العَقِيدَةِ الإسلامِيَّةِ، نَرجُو اللَّهَ تعالى أن يُحَقِّقَها لَنَا، ولِجَمِيعِ المُسلِمِين؛ إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ، والحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِين.
وصلَّى اللَّهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعِين
تَمَّت بِقَلَمِ مُؤَلِّفِها
محمَّدٍ الصَّالح العُثيمِين
الفهرس
الدِّينُ الإسْلامِيُّ 4
أَرْكَانُ الِإسْلام 8
أُسُسُ العَقِيْدَةِ الإسْلامِيَّة 12
الإيمانُ باللَّهِ تعالى 13
الإيمان بالملائكة 29
الإيمانُ بِالكُتُب 36
الإيمانُ بِالرُّسُل 38
الإيمانُ بِاليَومِ الآخِر 44
الإيمانُ بِالقَدَر 62
أَهدَافُ العَقِيدَةِ الإِسْلامِيَّة 72
() أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، رقم (8)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس، رقم (16).
() أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، رقم (8)، أبو داود: كتاب السنة، باب في القدر، رقم (4695).
() أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام، رقم (1292)، ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم (2658).
() أخرجه البخاري: سورة والطور، رقم (4854).
() أخرجه البخاري: كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، رقم (891).
() أخرجه البخاري: كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، رقم (891)، ومسلم: كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، رقم (897).
() أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى، رقم (8).
() أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم (3037)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا، حببه إلى عباده، رقم (2637).
() أخرجه البخاري: كتاب الجمعة، باب الاستماع إلى الخطبة، رقم (887)، ومسلم: كتاب الجمعة، باب فضل التهجير يوم الجمعة، رقم (850).
() أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ﴾، رقم (7410)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم (193).
() أخرجه البخاري: أبواب القبلة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (392)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة، والسجود له، رقم (572).
() أخرجه مسلم، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة، رقم (2859).
() أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾، رقم (2309)، ومسلم: كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله، رقم (2768).
() أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، رقم (131).
() أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ﴾، رقم (4501)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم (2824).
() أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، رقم (2867).
() أخرجه أبو داود: كتاب السنة، باب المسألة في القبر وعذاب القبر، رقم (4753)، وأحمد: مسند الكوفيين، حديث البراء بن عازب، رقم (18534).
() أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب ما جاء في غسل البول، رقم (215).
() أخرجه مسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، رقم (2653).
() أخرجه البخاري: كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدرا مقدورا، رقم (6605)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم (2647).
() أخرجه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، رقم (2999).
() أخرجه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة، وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، رقم (2664).
() أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، رقم (153).