مَا لَا يَسَعُ المُسْلِمَ جَهْلُهُ
اللَّجْنَةُ العِلْمِيَّةُ
بِرِئَاسَةِ الشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ بِالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن استنَّ بسنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه رسالة موجزة، تضمنت أهم ما يحتاجه المسلم في عقيدته وعباداته ومعاملاته، جمعناها لزائري الحرمين الشريفين وزائراته، حتى يكونوا على علمٍ وبصيرة بأمور دينهم، راجين من الكريم المنّان أن ينفع بها، ويجعلها صالحة، ولوجهه خالصة، إنه خير مسؤول، وأكرم مأمول.
***
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الفصل الأول
ما يتعلق بالعقيدة
المبحث الأول
معنى الإسلام وأركانه
الإسلام: هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
وأركانه خمسة:
الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
الثاني: إقام الصلاة.
الثالث: إيتاء الزكاة.
الرابع: صوم رمضان.
الخامس: حج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا.
أهمية التوحيد
اعلم أن الله عز وجل خَلَقَ الخَلْق ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56﴾ [الذاريات: 56]، وهذه العبادة لا يمكن معرفتها إلا بالعلم، كما قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ 19﴾ [محمد: 19]، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
فأهم ما على المسلم تعلُّمه هو توحيد الله عز وجل؛ لأنه هو أصل الدين وأساسه، ولا يقوم الدين إلا بالتوحيد، وهذا هو أول واجب على المسلم، وهو آخر واجب.
والتوحيد هو الركن الأول من أركان الإسلام التي يجب على كل مسلم معرفتها والعمل بها، وهي خمسة أركان، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإقَامِ الصَّلَاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وصَوْمِ رَمَضَانَ»(1).
فيجب على المسلم تعلُّم معنى التوحيد؛ وهو إفراد الله بالعبادة، فلا يُشرِك معه أحدًا في عبادته؛ لا مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌ مُرسَلٌ.
معنى «شهادة أن لا إله إلا الله»
هي أن يُقِرَّ العبد عن اعتقاد جازم أن لا معبود بحق إلا الله عز وجل، فيعبد الله وحده، ويخصه سبحانه بجميع أنواع العبادات؛ من دعاء وخوف ورجاء وتوكل وغير ذلك.
ولا تتحقق الشهادة إلا بركنين:
الأول: نفي الألوهية والعبادة عما سوى الله؛ من سائر الأنداد والآلهة والطواغيت.
الثاني: إثبات الألوهية والعبادة الحَقَّة لله، وحده دون ما سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36].
وأما شروط (لا إله إلا الله) فهي:
الأول: العلم المنافي للجهل.
الثاني: اليقين المنافي للشك.
الثالث: الإخلاص المنافي للشرك.
الرابع: الصدق المنافي للكذب.
الخامس: المحبة المنافية للبُغض.
السادس: الانقياد المنافي للترك.
السابع: القبول المنافي للرد.
الثامن: الكفر بما يُعبد من دون الله تعالى.
وهذه الشروط يجب العمل بها، وقد جُمعت في البيتين الآتيين:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك مَعْ *** محبةٍ وانقيادٍ والقَبولِ لها
وَزِيدَ ثامنُها الكُفرانُ منك بِمَا *** سِوَى الإلهِ مِنَ الأشياءِ قَد أُلِهَا
وتحقيق الشهادة يكون بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، فلا يدعو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا لله سبحانه وتعالى.
فما يفعله بعض الناس من الطواف بالقبور والاستغاثة بأهلها ودعائهم من دون الله؛ شركٌ في العبادة، فيجب الحذر من ذلك والتحذير منه؛ لأن هذا من جنس ما يفعله المشركون من عبادة الأصنام والأحجار والأشجار من دون الله تعالى، وهو الشرك الذي أُنزلت الكتب وأُرسلت الرسل للتحذير منه والنهي عنه.
معنى شهادة أن محمدًا رسول الله
طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، فيُقِرُّ المسلم بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي: رسول الله عز وجل إلى جميع الخلق؛ من الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [الأعراف: 158].
وأن الله أرسله لتبليغ دينه وهداية الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ28﴾ [سبأ: 28]. وكما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ 107﴾ [الأنبياء: 107].
ومقتضى هذه الشهادة: ألا تعتقد أن لرسول الله ﷺ حقًّا في الربوبية وتصرفًا في الكون، أو حقًّا في العبادة، بل هو ﷺ عبدٌ لا يُعبد، ورسولٌ لا يُكذَّب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا من النفع والضر، إلا ما شاء الله، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ...﴾ [الأنعام: 50].
***
المبحث الثاني
معنى الإيمان وأركانه
الإيمان: هو الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالقلب وبالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
فالإيمان شرط لصحة وقبول العبادات، كما أن الشرك والكفر مُحبطٌ لجميع الطاعات، فكما لا يَقبلُ الله صلاةً بغير وضوء، لا يَقبل عبادةً بغير إيمان، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا 124﴾ [النساء: 124].
وبيَّن أن الشرك مُحبطٌ للعمل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65﴾ [الزمر: 65].
وأركان الإيمان ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
1) الإيمان بالله تعالى
ويتضمن ثلاثة أمور:
1- الإيمان بربوبيته:
وهو توحيد الله تعالى بأفعاله؛ كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، فلا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله، ولا يتصرف في الكون إلا هو سبحانه وتعالى.
ولم يُعلَم أن أحدًا من الخلق أنكر ربوبية الله سبحانه إلا أن يكون مكابرًا غير معتقد بما يقول، كما حصل لفرعون، حين قال لقومه: ﴿...أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، لكنَّ ذلك ليس عن عقيدة، كما قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا102﴾ [الإسراء: 102]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا... ﴾ [النمل: 14].
فإن هذه المخلوقات لابد لها من خالق، إذ لا يمكن أن تُوجِد نفسها بنفسها؛ لأن الشيء لا يخلق نفسه، ولا يمكن أن تُوجَد صدفة؛ لأن كل حادث لابد له من مُحدِث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع والتناسق المتآلف يمنع أن يكون صدفة، فتعيَّن أن يكون لها موجد، وهو الله رب العالمين، قال تعالى: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ 35 أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ36﴾ [الطور: 35-36].
وقد كان المشركون يُقرُّون بربوبية الله تعالى، مع إشراكهم به في الألوهية، ولم يُدخِلْهم ذلك في الإسلام، وقاتلهم النبي ﷺ، واستحل دماءهم وأموالهم؛ لأنهم أشركوا في العبادة، فعبدوا معه غيره؛ كالأصنام والأحجار والملائكة وغيرهم.
2- الإيمان بألوهيته:
الإيمان بألوهيته أي: بأنه وحده الإله الحق لا شريك له، و(الإله) بمعنى (المألوه)، أي (المعبود) حبًّا وتعظيمًا وتذللًا.
قال تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ163﴾ [البقرة: 163].
وكلُّ من اتَّخذ إلهًا مع الله يعبده من دونه فألوهيته باطلة، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 62﴾ [الحج: 62].
ولهذا كانت الرسل عليهم السلام من نوح إلى محمد ﷺ يدعون أقوامهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دونما سواه، وقد أبطل الله تعالى اتخاذ المشركين آلهة يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى، ويستنصرون بهم، ويستغيثون بهم، وذلك بدليلين عقليين:
الأول: أنه ليس في هذه الآلهة التي اتخذوها شيء من خصائص الألوهية، فهي مخلوقة، لا تَخلُق، ولا تَجلب نفعًا لعابديها، ولا تدفع عنهم ضرًا، ولا تملك حياة ولا موتًا ولا نشورًا، كما قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا3﴾ [الفرقان: 3].
الثاني: أن هؤلاء المشركين كانوا يُقرُّون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر وحده دونما سواه، وهذا يستلزم أن يوحدوه بالألوهية كما وحدوه بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 85 قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ 87 قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ89﴾ [المؤمنون: 84-89] فإذا أقرُّوا بتوحيد الربوبية؛ لزمهم أن يخصوه سبحانه بالعبادة وحده، ولا يشركوا معه أحدًا في عبادته.
3- الإيمان بالأسماء والصفات:
أي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسول الله ﷺ في سنته؛ من الأسماء والصفات، على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 180﴾ [الأعراف: 180]، وقال تعالى: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
أقسام الشرك ثلاثة:
1- شرك أكبر.
2- شرك أصغر.
3- شرك خفي.
الشرك الأكبر:
وضابطُهُ: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، كما قال تعالى: ﴿إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 98﴾ [الشعراء: 98].
وهو ما يتضمن: صرف العبادة لغير الله تعالى، أو صرف بعضها لغيره سبحانه؛ كالدعاء والاستغاثة والنذر والذبح، وغيرها من أنواع العبادة.
أو يتضمن: استحلال ما حرم الله عز وجل، أو تحريم ما أحل، أو إسقاط ما أوجب الله عز وجل، كاستحلال ما عُلِمَ تحريمه من الدين بالضرورة؛ كاستحلال الزنا أو الخمر أو عقوق الوالدين أو الربا أو ما أشبه ذلك.
أو تحريم ما أحل الله عز وجل من الطيبات، أو إسقاط ما أوجب الله؛ كاعتقاد أن الصلاة لا تجب، أو أن الصوم لا يجب، أو أن الزكاة غير واجبة.
والشرك الأكبر يوجب حبوط العمل، والخلود في النار لمن مات عليه، كما قال تعالى: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
وأن من مات عليه؛ فلن يغفر الله له، والجنة عليه حرام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ...﴾ [النساء: 48]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُ...﴾ [المائدة: 72].
الشرك الأصغر:
وهو ما ثبت بالنصوص تسميته شركًا، لكنه لم يبلغ درجة الشرك الأكبر، فهذا يسمى شركًا أصغر؛ مثل الحلف بغير الله تعالى؛ كالحلف بالكعبة والأنبياء والأمانة وحياة فلان ونحو ذلك، كما قال ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَو أَشرَكَ»(2).
وقد يكون أكبر على حسب ما يكون في قلب صاحبه، فإذا كان في قلب الحالف بالنبي أو الشيخ فلان أنه مِثلُ الله، أو أنه يُدعَى من دون الله، أو أنه يتصرف في الكون؛ فإنه يكون شركًا أكبر، أما إن كان الحالف بغير الله لم يقصد هذا القصد، وإنما جرى على لسانه من غير هذا القصد، لكونه اعتاد ذلك؛ كان شركًا أصغر، وهذا يقع كثيرًا في بعض الجهات، فالواجب التنبه لذلك، والتحذير منه، صيانة للتوحيد وحماية له.
الشرك الخفي:
هو ما يكون بالقلوب من الرياء؛ كمن يصلي أو يقرأ ليرائي الناس، أو يسبح حتى يحمدوه، أو يتصدق حتى يمدحوه، وهذا محبطٌ للعمل الذي راءى فيه، دون سائر العمل الذي أخلصه لله تعالى.
قال ﷺ: «الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّودَاءِ عَلَى الصَّفَاةِ السَّودَاءِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَكَفَّارَتُهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَا أَعْلَمُ»(3).
أنواع الكفر:
النوع الأول: الكفر الأكبر:
وهو المخرج من الملة الموجِب للخلود في النار، وهو خمسة أنواع:
كفر التكذيب:
وهو اعتقاد كَذِبِ الرسل، وهذا قليل في الكفار؛ لأن الله عز وجل أيَّد رسله بالبراهين الواضحة، وإنما حال المكذبين هؤلاء كما وصفهم الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا...﴾ [النحل: 14].
كفر الإباء والاستكبار:
وهذا مثل كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولم ينكره، وإنما قابله بالإباء والاستكبار، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 34﴾ [البقرة: 34].
كفر الإعراض:
وذلك بأن يُعرِض بسمعه وقلبه عن اتباع الحق، فلا يَلتَفت إليه، ولا يُلقي له بالاً، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ 22﴾ [السجدة: 22].
أما الإعراض الجزئي؛ فهو فسق لا كفر؛ كالذي يُعْرِض عن تعلم بعض واجبات الدين؛ من أحكام الصيام أو الحج ونحو ذلك.
كفر الشك:
وذلك بأن يتردد، ولا يجزم بالحق، بل يشك فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا35 وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا36﴾ [الكهف: 35-36].
كفر النفاق:
وهو أن يُظهِرَ بلسانه الإيمان، ويَطوِيَ بقلبه التكذيب، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ8﴾ [البقرة: 8].
وهذه هي أنواع الكفر الأكبر المخرج عن الملة.
النوع الثاني: الشرك الأصغر:
وهذا النوع لا يوجب الخلود في النار، وهو ما ورد في الكتاب والسنة تسميته كفرًا غير مُعَرَّفٍ بالألف واللام، بل وَرَدَ مُنكَّرًا، والأمثلة عليه كثيرة، منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ»(4).
2) الإيمان بالملائكة
وهم عالم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور، وهم عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، وهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون، وهم عدد كثير، لا يُحصيهم إلا الله تعالى.
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
1- الإيمان بوجودهم.
2- الإيمان بمن عَلِمنَا اسمه منهم؛ مثل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وغيرهم، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالًا.
3- الإيمان بما علمنا من صفاتهم، التي جاءت في الكتاب والسنة؛ كصفة جبريل، فقد أخبر النبي ﷺ أنه رآه على صفته التي خلقه الله تعالى عليها، وله ستمائة جناح، قد سدَّ الأفق.
4- الإيمان بما علمنا من أعمالهم؛ كتسبيحهم الله تعالى، والتعبد له ليلًا ونهارًا بدون ملل ولا فتور.
فمثلًا: جبريل: الأمين على الوحي.
وإسرافيل: المُوكَل بالنفخ في الصور.
وملك الموت: المُوكَل بقبض الأرواح عند الموت.
ومالك: خازن النار.
ورضوان: خازن الجنان، وغيرهم.
3) الإيمان بالكتب
والمراد بالكتب: هي الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى على رسله، هداية للبشرية ورحمة بهم، ليصلوا إلى سعادة الدارين.
والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
1- الإيمان بأنها مُنَزَّلَةٌ من عند الله حقًّا.
2- الإيمان بما علمنا اسمه منها؛ كالقرآن الذي أُنزل على محمد ﷺ، والتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام، والزبور الذي أوتيه داود عليه السلام.
وأما ما لم نعلم اسمه؛ نؤمن به إجمالًا.
3- التصديق بأخبارها؛ كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يحرف من الكتب السابقة.
4- العمل بأحكام ما لم يُنسخ منها، والرضا والتسليم به، سواءٌ أَفَهِمنَا حِكمَته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم، فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها، وأقره القرآن الكريم أو السنة النبوية.
4) الإيمان بالرسل عليهم السلام
الرسل: جمع رسول؛ وهو من أوحي إليه من البشر بشرع وأمِر بتبليغه، وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد ﷺ، وهم بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء.
والإيمان بالرسل يتضمن:
1- الإيمان بأن رسالتهم حق من عند الله، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع.
2- الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح عليهم الصلاة والسلام، وهم أولو العزم من الرسل.
وأما من لم نعلم اسمه منهم؛ فنؤمن به إجمالًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَ...﴾ [غافر: 78].
3- تصديق ما صح عنهم عليهم السلام من أخبارهم.
4- العمل بشريعة مَن أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ.
5) الإيمان باليوم الآخر
وهو يوم القيامة، الذي يُبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وسُمِّي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
أ- الإيمان بالبعث:
وهو إحياء الموتى حين يُنفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة غير منتعلين، عراة غير مستترين، غرلاً غير مختونين، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ 104﴾ [الأنبياء: 104].
ب- الإيمان بالحساب والجزاء:
حيث يُحاسب العبد على عمله، ويُجازى عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ 25 ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم 26﴾ [الغاشية: 25-26].
ج- الإيمان بالجنة والنار:
وأنهما المآل الأبدي للخلق؛ فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين والذين قاموا بطاعة الله ورسوله ﷺ، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وأما النار؛ فهي دار العذاب، التي أعدها الله تعالى للكافرين الذين كفروا بالله وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب والنكال ما لا يخطر على البال.
6) الإيمان بالقدر خيره وشره
والمراد بالقدر: تقدير الله عز وجل لما سيكون حسب ما سبق به علمه واقتضت حكمته.
والإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
1- العلم: وهو الإيمان بعلم الله تعالى، وأنه عالم بما كان وما يكون وكيف يكون، جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبدًا، وهو العالم سبحانه بما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال سبحانه: ﴿...وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ ...﴾ [الأنعام: 28].
2- الكتابة: وهو أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 70﴾ [الحج:70].
3- المشيئة: وهي الإيمان بأنه لا يحصل في هذا الكون إلا ما شاء الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُ ...﴾ [القصص: 68]، والإنسان له مشيئة لا تخرج عن مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 29﴾ [التكوير: 29].
4- الخلق: وهو الإيمان بأن الله عز وجل خلق الخلق وأعمالهم وأفعالهم من خَيْر وشرٍ، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ 62﴾ [الزمر: 62].
وقد جُمعت هذه المراتب في هذا البيت:
علمٌ كتابةُ مولانا مشيئتُه *** وخلقُه وهو إيجادٌ وتكوين
***
المبحث الثالث
الإحسان
الإحسان: هو ركن واحد؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أي: أن يفعل الإنسان ما تعبّده الله به كأنه واقف بين يدي الله عزوجل، وذلك يستلزم تمام الخشية والإنابة إليه سبحانه، ويستلزم الإتيان بالعبادة على وفق سنة الرسول ﷺ.
والإحسان على درجتين، وأهله على مقامين متفاوتين:
المقام الأول: مقام المشاهدة وهو أعلاهما؛ وهو أن يعمل العبد كأنه يشاهد الله عز وجل بقلبه، فيتنور القلب بالإيمان، حتى يصير الغيب كالعيان.
المقام الثاني: مقام الإخلاص والمراقبة، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه، فإذا استحضر هذا فهو مخلص لله تعالى.
المبحث الرابع
نبذة مختصرة من أصول أهل السنة والجماعة
أولًا: اتباع ما جاء في الكتاب والسنة باطنًا وظاهرًا، وعدم تقديم كلام أحدٍ من الناس على كلام الله عز وجل وكلام رسوله ﷺ.
ثانيًا: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، ويرون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم أجمعين.
ثالثًا: محبة أهل بيت رسول الله ﷺ، وتَوَلِّيهِم، وأهل بيته ﷺ: الصالحون منهم خاصة.
رابعًا: عدم الخروج على الأئمة، وولاة الأمور وإن جاروا، ويُدعَى لهم بالصلاح والمعافاة، ولا يُدعَى عليهم، وطاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، فإن أَمروا بمعصية؛ فإنهم لا يُطاعون فيها، وتبقى طاعتهم بالمعروف في غيرها.
خامسًا: التصديق بكرامات الأولياء؛ وهي ما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات.
سادسًا: لا يُكَفِّرُونَ أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، ويقولون عن العاصي: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
***
الفصل الثاني
ما يتعلق بالعبادات
المبحث الأول
الطهارة
الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.
وشرعًا: ارتفاع الحدث وزوال النجس والطهارة مفتاح الصلاة، ولذا فإن تَعَلُّمَها من أعظم مهمات أمور الدين التي يجب على كل مسلم تعلمها والعناية بها.
أولًا: أقسام المياه:
1- طهور؛ يصح التطهر به، سواء كان باقيًا على خلقته؛ كمياه الأمطار أو الأنهار أو البحار، أو خالطته مادة طاهرة لم تغلب عليه ولم تسلبه اسمه.
2- نجس؛ لا يجوز استعماله، فلا يرفع الحدث، ولا يزيل النجاسة، وهو ما تغير لونه أو ريحه أو طعمه بنجاسة.
ثانيًا: النجاسة:
النجاسة: هي قذر مخصوص، يمنع جنسه الصلاة؛ كالبول والغائط والدم وغيرها، وتكون في البدن والبقعة وفي الثوب.
والأصل في الأشياء: الإباحة والطهارة، فمن زعم نجاسة عين ما فعليه الدليل، وليس من النجاسة: النخامة، وعرق الإنسان، وعرق الحمار، بل هي طاهرة وإن كانت قذرة، وكل نجس فهو قذر دون العكس.
والنجاسة ثلاث درجات:
الأولى: النجاسة المُغَلَّظَة:
مثل: نجاسة ما ولغ فيه الكلب، وطريقة تطهيرها: بأن تغسل سبع مرات أولاهن بالتراب.
الثانية: النجاسة المخفَّفة:
مثل بول الصبي الرضيع إذا أصاب الثوب ونحوه، وطريقة تطهيرها: أن يُرَشَّ عليها بالماء حتى يَغْمُرَهَا، ولا يحتاج إلى فَركٍ أو عَصرٍ.
الثالثة: النجاسة المتوسطة:
مثل بول الآدمي وغائطه، وغالب النجاسات، إذا وقعت على الأرض أو ثوب ونحوهما، وطريقة تطهيرها: بإزالة جرم النجاسة إذا كان لها جرم، وتنظيف محالها بالماء أو غيره من وسائل التنظيف.
ومما قام الدليل على نجاسته:
1- بول الآدمي وغائطه.
2- المذي والودي(5).
3- روث ما لا يؤكل لحمه.
4- دم الحيض والنفاس.
5- لعاب الكلب.
6- الميتة، ويستثنى منها:
أ- الإنسان إذا مات.
ب- ميتة السمك والجراد.
ج-ميتة ما لا دم له سائل؛ كالذباب والنمل والنحل ونحو ذلك.
د- عَظْمُ الميتة وقَرنها وظُفرها وشَعرها ورِيشها.
وكيفية تطهير النجاسة يكون:
1- بالماء، وهو الأصل في تطهير النجاسات، فلا يُعدَل إلى غيره.
2- ما جاء به الشرع في صفة تطهير الأعيان النجسة أو المتنجسة:
أ- يطهر جلد الميتة بالدباغ.
ب- تطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب؛ أن يغسل سبع مرات؛ أولاهن بالتراب.
ج- تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض؛ بِحَكِّهِ، ثم قَرصِهِ بالماء، ثم نَضحِهِ، وإذا بقي بعد ذلك أثر فلا يضر.
د- تطهير ذيل ثوب المرأة؛ بما بعده من الأرض الطاهرة.
هـ- تطهير الثوب من بول الصبي الرضيع؛ بالرش، وبالغسل من بول الجارية.
و- تطهير الثوب من المذي؛ بنضح الماء على الموضع.
ز- تطهير أسفل النعل؛ بمسحه بالأرض الطاهرة.
ح- تطهير الأرض من النجاسة؛ بصب دلوٍ من الماء على الموضع، أو تركها حتى تَجِفَّ من الشمس أو الريح، فإذا ذهب أثر النجاسة طهرت.
ثالثًا: ما يَحرُمُ على المُحْدِثِ عملُه:
الأشياء التي تحرم على المحدث حدثًا أصغر أو أكبر:
1- الصلاة فرضًا أو نفلًا؛ لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»(6).
2- مس المصحف؛ لما ورد في الكتاب الذي كتبه الرسول ﷺ لعمرو بن حزم، وفيه قوله: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»(7).
3- الطواف بالبيت العتيق؛ لقوله ﷺ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الكَلَامَ»(8)، وقد توضأ النبي ﷺ للطواف، وصح عنه ﷺ أنه منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر.
وأما الأشياء التي تحرم على المحدث حدثًا أكبر خاصة فهي:
1- قراءة القرآن؛ لحديث علي رضي الله عنه: «لَا يَحْجُبُهُ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ- عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، لَيْسَتِ الْجَنَابَةُ» (9).
2- اللُّبث بالمسجد بغير وضوء؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْ...﴾ [النساء: 43].
فإذا توضأ من عليه حدث أكبر؛ جاز له اللبث بالمسجد، وكذلك يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمر بالمسجد لمجرد العبور منه من غير جلوس فيه.
رابعًا: آداب قضاء الحاجة:
يستحب عند قضاء الحاجة:
1- البعد والاستتار عن الناس في الخلاء.
2- قول الدعاء الوارد عند الدخول، وهو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»(10).
ويجب عند قضاء الحاجة:
1- التنزه من البول.
2- ستر العورة.
ويحرم عند قضاء الحاجة:
1- استقبال القبلة أو استدبارها.
2- قضاء الحاجة في طرق الناس وأماكنهم العامة.
3- البول في الماء الراكد.
ويُكره عند قضاء الحاجة:
1- مس الذكر باليد اليمنى أثناء قضاء الحاجة.
2- الاستنجاء والاستجمار باليد اليمنى.
3- يكره الكلام، ولا سيما بذكر الله عز وجل عند قضاء الحاجة.
خامسًا: أحكام الاستنجاء والاستجمار:
الاستنجاء: إزالة أثر الخارج من السبيلين بالماء.
والاستجمار: إزالة أثر الخارج من السبيلين بغير الماء؛ كالأحجار والمناديل.
ويشترط في الاستجمار:
1- أن يكون مباحًا.
2- أن يكون طاهرًا.
3- أن يكون مُنظفًا.
4- ألا يكون عظمًا أو روثًا.
5- ألا يكون بشيء محترم؛ كالأوراق التي فيها اسم الله عز وجل.
ويجوز الاكتفاء بالاستجمار بشرطين:
1- ألا يتعدى الخارج موضع العادة.
2- أن يكون الاستجمار بثلاث أحجار مُنْقِيَاتٍ فصاعدًا.
سادسًا: أحكام الوضوء:
يجب الوضوء لثلاث عبادات:
1- الصلاة؛ سواء كانت فريضة أو نافلة.
2- مس المصحف.
3- الطواف.
شروط الوضوء:
1- الإسلام.
2- العقل.
3-التمييز.
4- النية: ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة، وكل من أراد الوضوء فقد نوى، أما غسل أعضاء الوضوء بنية التبرد أو التنظف؛ فليس بوضوء.
5- استصحاب حكمها: بأن لا ينوي قطعها حتى تتم طهارته.
6- انقطاع موجب الوضوء، ويستثنى من ذلك: من به سلس دائم، والمستحاضة.
7- استنجاء أو استجمار قبله، لمن خرج منه بول أو غائط.
8- طهورية ماءٍ، وإباحته.
9- إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة.
10- دخول وقت الصلاة في حق من حدثه دائم.
فروض الوضوء:
1- غسل الوجه، ومنه: المضمضة والاستنشاق.
2- غسل اليدين مع المرفقين.
3- مسح جميع الرأس، ومنه الأذنان.
4- غسل الرجلين مع الكعبين.
5- الترتيب بين أعضاء الوضوء.
الموالاة: فلا يفصل بين الأعضاء فصل
ً
ا طويل
ً
ا.
صفة الوضوء:
1- التسمية.
2- غسل الكفين ثلاث مرات.
3- غسل الوجه ثلاثًا، ومنه المضمضة والاستنشاق.
4- غسل اليدين إلى المرفقين ثلاث مرات، والبدء باليد اليمنى ثم اليسرى.
5- مسح الرأس مع الأذنين.
غسل الرجلين إلى الكعبين ثلاث مرات، والبدء بالرجل اليمنى ثم اليسرى.
نواقض الوضوء:
1- الخارج من السبيلين، مثل: البول والريح والغائط.
2- الخارج الفاحش النجس من الجسد.
3- زوال العقل بنوم أو غيره.
4- مس الفرج باليد قبلًا كان أو دبرًا من غير حائل.
5- أكل لحم الإبل.
6- الردة عن الإسلام، أعاذنا الله والمسلمين من ذلك.
سابعًا: أحكام المسح على الخفين والجوربين:
1- الخف: ما يلبس على القدمين من الجلد ونحوه.
2- الجورب: ما يلبس على القدمين من الصوف أو القطن ونحوهما.
شروط المسح عليهما:
1- أن يلبسهما بعد كمال الطهارة.
2- أن يسترا الرجلين مع الكعبين.
3- أن يكونا طاهرين.
4- أن يكون المسح في المدة المحدودة.
5- أن يكون المسح في الوضوء دون الغُسل.
6- أن يكون الخف ونحوه مباحًا، فإن كان مغصوبًا أو حريرًا بالنسبة للرجل؛ لم يَجُز المسح عليه؛ لأن المُحَرَّم لا تُستباح به الرخصة.
مدة المسح:
للمقيم: يوم وليلة، وللمسافر: ثلاثة أيام بلياليها.
كيفية المسح:
تبلّل اليد بالماء، ويمسح أعلى الجوربين أو الخفين، من أصابع القدمين إلى الساق، مرة واحدة.
مبطلات المسح:
1- انتهاء مدة المسح.
2- خلع الجوربين أو أحدهما.
3- حصول الحدث الأكبر.
حكم المسح على الخفين:
أنه رخصة، وفعله أفضل من نزع الخفين وغسل الرجلين؛ أخذًا برخصة الله عز وجل، واقتداء بالنبي ﷺ، ومخالفة للمبتدعة.
الجبائر: هي ما يشد على الكسور؛ من جبس أو أعواد ونحوها.
والعصائب: هي ما يُشَدُّ على الجَرح أو الرَّض أو الحَرق؛ من قماش ونحوه.
واللصوق: ما يلصق على الجروح أو البثور للتداوي.
حكم المسح عليها:
يجوز: عند الحاجة إلى بقائها، بشرط ألا تتجاوز موضع الحاجة.
ولا يجوز: إذا انتهت الحاجة إليها، أو لا يترتب على خلعها مشقة أو ضرر.
كيفية المسح عليها:
يغسل ما حولها، ويمسح عليها من جميع الجوانب، ولا يمسح ما زاد على محل الوضوء.
ثامنًا: أحكام التيمم:
التيمم: هو مسح الوجه والكفين بالصعيد، بقصد الطهارة، على وجه مخصوص.
حكمه:
يجب التيمم بدلًا عن الوضوء والغُسل عند فقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله.
الحِكمة من مشروعيته:
التيمم من خصائص أمة محمد ﷺ، ولم يكن معروفًا في الأمم السابقة، توسعة من الله على هذه الأمة، وإحسانًا منه إليها.
الحالات التي يشرع فيه التيمم:
1- إذا عَدِمَ الماء، سواء عدمه في الحضر أو في السفر، وطلبه فلم يجده.
2- إذا كان معه ماء يحتاجه لشرب أو طبخ، فلو تطهر منه لأَضَرَّ حاجته، بحيث يخاف العطش على نفسه، أو عطش غيره من آدمي أو بهيمة محترمين.
3- إذا خاف باستعمال الماء الضرر في بدنه بمرضه أو تأخر برءٍ.
4- إذا عجز عن استعمال الماء لمرض لا يستطيع معه الحركة، وليس عنده من يُوَضُِّئُهُ، وخاف خروج الوقت.
5- إذا خاف بردًا باستعمال الماء، ولم يجد ما يُسَخِّنُه به، تيمَّم وصلّى.
صفة التيمم:
أن يضرب التراب بيديه مُفْرَجَتَي الأصابع، ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ويمسح كفَّيه بِرَاحَتَيه، ويعمم الوجه والكفين بالمسح.
مبطلات التيمم:
1- وجود الماء إن كان التيمم لعدمه، أو القدرة على استعماله إذا كان التيمم لعدم القدرة على استعماله.
2- يبطل بإحدى مبطلات الوضوء، أو بإحدى موجبات الغُسل، من جنابة وحيض ونفاس.
حكم العاجز عن استعمال الماء والتيمم:
من عدم الماء والتراب، أو وصل إلى حال لا يستطيع معه لمس البشرة بماء أو تراب؛ فإنه يصلي على حسب حاله، بلا وضوء ولا تيمم؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولو قُدِّر أنه وجد الماء والتراب بعد ذلك، أو قَدِرَ على استعمالهما؛ فإنه لا يُعيد ما صَلَّاهُ؛ لأنه أتى بما أمر به، لقوله تعالى: ﴿...فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾ [التغابن: 16]، ولقوله ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(11).
فائدة: إذا تيمم عن جنابة، ثم وجد الماء؛ فإنه يغتسل.
تاسعًا: أحكام الحيض والنفاس:
أولًا: الحيض:
هو دم طبيعة وجِبِلَّة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة.
وفي الغالب يخرج في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد أو يقل، ويطول شهر المرأة ويقصر؛ حسبما ركَّبَهُ الله تعالى من الطباع.
أحكام الحائض:
1- الحائض لا تصلي ولا تصوم حال حيضها، ولا يصح منها.
2- تقضي الحائض الصوم دون الصلاة إذا طهرت من حيضها.
3- لا يجوز لها الطواف بالبيت، ولا تقرأ القرآن، ولا تجلس في المسجد.
4- ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع الحيض وتغتسل.
5- يجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها بغير الجماع في الفرج، كالقبلة واللمس ونحو ذلك.
6- لا يجوز لزوجها أن يُطَلِّقَها وهي حائض.
والطهر هو انقطاع الدم، فإذا انقطع الدم؛ فقد طهرت، وانتهت مدة حيضها، فيجب عليها الاغتسال، ثم تُزاول ما مُنعت منه بسبب الحيض.
وإن رأت بعد الطهر كُدرَةً أو صُفرَةً؛ لم تلتفت إليها.
ثانيًا: النفاس:
وهو دم تُرخِيهِ الرحم للولادة وبعدها، وهو بقية الدم الذي احتُبِسَ في مدة الحمل.
والنفاس كالحيض فيما يحل؛ كالاستمتاع منها بما دون الفرج.
وفيما يحرم؛ كالوطء في الفرج، ومنع الصوم والصلاة والطلاق والطواف وقراءة القرآن، واللبث في المسجد، وفي وجوب الغسل عند انقطاع دمها كالحائض.
ويجب عليها أن تقضي الصيام دون الصلاة، فلا تقضيها كالحائض.
وأكثر مدته أربعون يومًا، فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين، فقد انتهى نفاسها، فتغتسل، وتصلي، وتزاول ما منعت منه بسبب النفاس.
***
المبحث الثاني
الصلاة
أولاً: أحكام الأذان والإقامة:
شُرِعَ الأذان في السنة الأولى من الهجرة النبوية، وسبب مشروعيته: أنه لما عَسُرَ معرفة الأوقات عليهم، تشاوروا في نصب علامة لها، فأُرِيَ عبد الله بن زيد رضي الله عنه هذا الأذان في المنام، وأقرَّه الوحي.
والأذان: الإعلام بدخول وقت الصلاة، والإقامة: هو الإعلام بإقامة الصلاة.
والأذان والإقامة فرض كفاية على جماعة الرجال للصلوات المكتوبة، وهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فلا يجوز تعطيلهما.
شروط الأذان:
1- أن يكون المؤذن ذكرًا.
2- أن يكون الأذان مرتبًا.
3- أن يكون الأذان متواليًا.
4- أن يكون الأذان بعد دخول الوقت، ويستثنى من ذلك: الأذان الأول في الفجر والجمعة.
سنن الأذان:
1- أن يضع أصبعيه في أذنيه.
2- الأذان أول الوقت.
3- الالتفات مع الحيعلتين يمينًا وشمالًا.
4- أن يكون ذا صوت حسن.
5- أن يتمهَّل بألفاظ الأذان من غير تمطيط ولا مدٍّ مُفرط.
6- أن يقف على كل جملة منه.
7- أن يستقبل القبلة حال الأذان.
ألفاظ الأذان:
والأذان خمس عشرة جملة، كما كان بلال رضي الله عنه يؤذن به بحضرة رسول الله ﷺ دائمًا.
(الله أكبر): أربع مرات.
(أشهد أن لا إله إلا الله): مرتين.
(أشهد أن محمدًا رسول الله): مرتين.
(حي على الصلاة): مرتين.
(حي على الفلاح): مرتين.
ثم يقول: (الله أكبر): مرتين.
ثم يختم ب (لا إله إلا الله): مرة.
ويزيد في الفجر بعد حي على الفلاح: (الصلاة خير من النوم) مرتين؛ لأنه وقت ينام فيه الناس غالبًا.
والإقامة إحدى عشرة جملة يحدرها، أي: يسرع فيها؛ لأنها لإعلام الحاضرين، فلا داعي للترسل فيها.
وصيغتها كما يلي:
(الله أكبر): مرتين.
(أشهد أن لا إله إلا الله): مرة.
(أشهد أن محمدًا رسول الله): مرة.
(حي على الصلاة): مرة.
(حي على الفلاح): مرة.
(قد قامت الصلاة): مرتين.
(الله أكبر): مرتين.
(لا إله إلا الله): مرة واحدة.
ويستحب لمن سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في (حي على الصلاة)، و(حي على الفلاح) فيقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يقول بعد ذلك: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ»(12).
ويقول: «رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا»(13).
ويحرُم الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر أو نية رجوع.
وعند الجمع بين الصلاتين يكتفي بأذان واحد وإقامة لكل صلاة.
ثانيًا: مكانة الصلاة وفضلها:
الصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولها مكانة خاصة، حيث فرضها الله على رسوله ﷺ ليلة المعراج في السماء، فدلَّ ذلك على عظمتها وتأكد وجوبها ومكانتها عند الله عز وجل.
وقد جاء في فضلها ووجوبها على الأعيان أحاديث كثيرة، وفرضيتها معلومة من دين الإسلام بالضرورة.
ومما يدل على وجوبها وتأكدها: نصوص كثيرة من الكتاب السنة، فمنها:
1- قوله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: 103]. أي: مفروضًا في الأوقات التي بينها رسول الله ﷺ.
2- وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ...﴾ [البينة: 5].
3- وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ...﴾ [التوبة: 11].
4- عن جابر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»(14).
5- وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَن تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»(15).
وأجمع العلماء على كفر من جحد وجوبها، أمَّا مَنْ تركها تكاسلاً وتهاونًا فالأصح كفره أيضًا، للحديث الصحيح المتقدم، ولإجماع الصحابة على ذلك.
ثالثًا: شروط الصلاة:
دخول وقتها:
لقوله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء]. أي: مفروضًا في أوقات محدودة.
وأوقات الصلوات المكتوبة كما يلي:
أ- الفجر: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
ب- الظهر: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله في الطول.
ج- العصر: من انتهاء وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، ووقت الضرورة إلى غروبها.
د- المغرب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
هـ- العشاء: من انتهاء وقت المغرب إلى نصف الليل.
ستر العورة:
وهي ما يجب تغطيته ويقبح ظهوره ويستحيا منه، وعورة الرجل من السُّرَّة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها، وتغطي وجهها إذا كانت بحضرة رجال أجانب منها أي: ليسوا محارم لها.
اجتناب النجاسة:
والنجاسة: هي قذر مخصوص، يمنع جنسه الصلاة؛ كالبول والغائط والدم وغيرها، وتكون في البدن والبقعة وفي الثوب.
استقبال القبلة:
القبلة هي الكعبة المشرفة، سميت قبلة لإقبال الناس عليها.
فلا تصح الصلاة بدون استقبال القبلة، لقوله تعالى: ﴿...وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُ...﴾ [البقرة: 144].
النية:
وهي لغة: القصد، وشرعًا: العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى، ومحلها القلب، فلا يحتاج إلى التلفظ بها، بل هو بدعة.
رابعًا: أركان الصلاة:
وهي أربعة عشر ركنًا:
الركن الأول: القيام مع القدرة:
لقوله تعالى: ﴿...وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وحديث عمران رضي الله عنه مرفوعًا: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِن لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِن لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»(16).
فإن لم يقدر على القيام لمرض؛ صلَّى على حسب حاله، قاعدًا أو على جنب، ومثل المريض: الخائف، والعريان، ومن يحتاج للجلوس أو الاضطجاع لمداواة تتطلب عدم القيام.
وكذلك يُعذر بترك القيام من يصلي خلف الإمام الراتب الذي يعجز عن القيام، فإذا صلى قاعدًا فإن من خلفه يُصلون قعودًا تبعًا لإمامهم، ويجوز أداء النوافل عن جلوس وإن كان قادرًا على القيام، لكن الأجر لا يكون كأجر القائم.
الركن الثاني: تكبيرة الإحرام في أولها:
لقوله ﷺ: «ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، وَكَبِّرْ»(17).
وصيغتها أن يقول: (الله أكبر)، ولا يجزيه غيرها.
الركن الثالث: قراءة الفاتحة:
لقوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»(18).
الركن الرابع: الركوع في كل ركعة:
لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ...﴾ [الحج: 77].
الركنان الخامس والسادس:
الرفع من الركوع، والاعتدال واقفًا كحاله قبله؛ لأنه ﷺ داوم على فعله، وقال ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»(19).
الركن السابع: السجود على الأعضاء السبعة:
وهي الجبهة ومعها الأنف، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين؛ لقوله ﷺ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَالكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ»(20).
الركن الثامن: الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين:
لحديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا»(21).
الركن التاسع: الطمأنينة في جميع الأركان:
وهي السكون وإن قلَّ، لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «حَتَّى تَطْمَئِنَّ»(22).
الركنان: العاشر والحادي عشر:
التشهد الأخير وجلسته: لحديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»(23).
الركن الثاني عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير:
بأن يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»(24)، وما زاد على ذلك فهو سنة.
الركن الثالث عشر: الترتيب بين الأركان:
لأن النبي ﷺ كان يفعلها مُرتبة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»(25). وقد علمها المسيء في صلاته مرتبة ب «ثم».
الركن الرابع عشر: التسليم:
لقوله ﷺ: «وَخِتَامُهَا التَّسْلِيْمُ»، وقوله: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»(26).
خامسًا: واجبات الصلاة:
وهي ثمانية:
1- جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام.
2- قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمُ» في الركوع مرة واحدة، ويُسن الزيادة إلى ثلاث، وهي أدنى الكمال، وإلى عشر وهي أعلاه.
3- قول: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» في الرفع من الركوع؛ للإمام والمنفرد.
4- قول: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» في الاعتدال من الركوع.
5- قول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» في السجود مرة واحدة، وتُسن الزيادة إلى ثلاث.
6- قول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي» بين السجدتين مرة واحدة، وتسن الزيادة إلى ثلاث.
7- التشهد الأول؛ وهو أن يقول: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»(27).
8- الجلوس للتشهد الأول.
سادسًا: سنن الصلاة:
وسنن الصلاة لا تبطل الصلاة بتركها، وهي قسمان: سنن قولية، وسنن فعلية.
أولًا: سنن قولية:
1- دعاء الاستفتاح، وله صيغ، ومنها: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالى جَدُّكَ، وَلَا إِلٰهَ غَيْرُكَ»(28) .
2- الاستعاذة قبل الفاتحة، وهي قول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
3- البسملة قبل القراءة، وهي قول: «بسم الله الرحمن الرحيم».
4- ما زاد على الواحدة في تسبيح الركوع والسجود.
5- ما زاد على الواحدة من قول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي» بين السجدتين.
6- قول: «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، بعد قول: «رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ»(29).
7- القراءة بعد الفاتحة.
8- قول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ»(30). وما زاد على ذلك من الدعاء في التشهد الأخير.
ثانيًا: سنن فعلية:
1- رفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين في أربعة مواضع:
أ- عند تكبيرة الإحرام.
ب- عند الركوع.
ج-عند الرفع من الركوع.
د- عند القيام إلى الركعة الثالثة.
2- وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر أثناء القيام قبل الركوع وبعده.
3- النظر إلى موضع السجود.
4- مجافاة العَضُدَين عن الجَنبَين أثناء السجود.
5- مجافاة البطن عن الفخذين أثناء السجدتين.
6- الافتراش في جميع جلسات الصلاة، إلا في التشهد الأخير من الصلاة الثلاثية والرباعية.
7- التَوَرُّكُ في التشهد الأخير من الصلاة الثلاثية أو الرباعية.
سابعًا: صفة الصلاة:
1- كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، استقبل القبلة، ورفع يديه، واستقبل ببطون أصابعها القبلة، وقال: «اللهُ أَكْبَـرُ».
2- ثم يمسك شماله بيمينه، ويضعهما على صدره.
3- ثم يستفتح، ولم يكن يداوم على استفتاح واحد، فكل الاستفتاحات الثابتة عنه يجوز الاستفتاح بها، ومنها: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالى جَدُّكَ، وَلَا إِلٰهَ غَيْرُكَ».
4- ثم يقول: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
5- ثم يقرأ الفاتحة، فإذا ختمها، قال: «آمِينَ».
6- ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، ويجهر بالقراءة في الفجر والأُولَيَيْنِ من المغرب والعشاء، ويُسِرُّ القراءة فيما سوى ذلك، ويطيل الركعة الأولى من كل صلاة أطول من الثانية.
7- ثم يرفع يديه كما رفعهما في الاستفتاح، ثم يقول: «الله أكبر»، ويَخِرُّ راكعًا، ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، ويمكنهما، ويَمُدُّ ظهره، ويجعل رأسه حِيَالَه؛ لا يرفعه ولا يخفضه، ويقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» مرةً، وأدنى الكمال: ثلاث مرات، كما تقدم.
8- ثم يرفع رأسه قائلاً: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ويرفع يديه كما يرفعها عند الركوع.
9- فإذا اعتدل قائمًا قال: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مِلْءَ السَّمَاءِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»(31) . وكان يطيل هذا الاعتدال.
10- ثم يكبر ويخر ساجدًا، ولا يرفع يديه، ويسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه، ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة، ويعتدل في سجوده، ويمكّن جبهته وأنفه من الأرض، ويعتمد على كفيه، ويرفع مرفقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» مرة، وأدنى الكمال ثلاثًا كما تقدم، ويدعو بما ورد.
11- ثم يرفع رأسه قائلاً «الله أكبر»، ثم يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع يديه على فخذيه ثم يقول «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي»(32).
12- ثم يكبّر ويسجد، ويصنع في الثانية مثلما صنع في الأولى.
13- ثم يرفع رأسه مكبرًا، وينهض على صدور قدميه، معتمدًا على ركبتيه وفخذيه.
14- فإذا استَتَمَّ قائمًا؛ أخذ في القراءة، ويصلي الركعة الثانية كالأولى.
15- ثم يجلس للتشهد الأول مفترشًا كما يجلس بين السجدتين، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع إبهام يده اليمنى على أصبعه الوسطى كهيئة الحلقة، ويشير بأصبعه السبابة، وينظر إليها، ويقول: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وكان يخفف هذه الجلسة.
16-ثم ينهض مكبرًا، فيصلي الثالثة والرابعة، ويخففهما عن الأوليين، ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب.
17- ثم يجلس في التشهد الأخير متوركًا، والتورك هو أن يفرش رجله اليسرى ويخرجها من الجانب الأيمن، وينصب اليمنى، ويجعل مقعدته على الأرض.
18- ثم يتشهد التشهد الأخير وهو كالتشهد الأول، ويزيد عليه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
19- ويستعيذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد من الأدعية في الكتاب والسنة.
20- ثم يسلم عن يمينه، فيقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، وعن يساره كذلك؛ يبتدئ السلام متوجهًا إلى القبلة، وينهيه مع تمام الالتفات.
ثامنًا: مكروهات الصلاة:
1- الالتفات لغير حاجة.
2- رفع البصر إلى السماء.
3- تغميض العينين لغير حاجة.
4- افتراش الذراعين في السجود.
5- التلثُّم على الفم والأنف لغير حاجة.
6- الصلاة حال مدافعة البول أو الغائط، أو بحضرة طعام يشتهيه.
7- مسح جبهته وأنفه مما عَلِقَ بهما من أثر السجود، ولا بأس بمسح ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
8- الاستناد إلى جدار ونحوه حال القيام من غير حاجة.
تاسعًا: مبطلات الصلاة:
1- الأكل والشرب.
2- الكلام الخارج عنها.
3- الضحك والقهقهة.
4- تعمد ترك أحد أركانها أو واجباتها.
5- تعمد زيادة ركن أو ركعة.
6- تعمد السلام قبل الإمام.
7- الحركة الكثيرة المتوالية من غير جنس الصلاة لغير حاجة.
8- الإتيان بما ينافي أحد شروط الصلاة؛ كانتقاض الوضوء، وكشف العورة عمدًا، والانحراف الكثير بالبدن عن القبلة لغير ضرورة، وقطع النية.
عاشرًا: سجود السهو:
السهو: النسيان، وقد سها النبي ﷺ في الصلاة؛ لأن السهو من مقتضى الطبيعة البشرية، وكان سهوه من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم، ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو.
الأسباب التي يشرع لها سجود السهو:
1- الحالة الأولى:
الزيادة في الصلاة، وهي إما زيادة أفعال أو زيادة أقوال.
2- الحالة الثانية:
النقص من الصلاة سهوًا، ويكون بأحد أمرين:
أ- ترك ركن: فإن كان هذا الركن تكبيرة الإحرام، لم تنعقد صلاته، ولا يغني عنه سجود السهو، وإن كان ركنًا غير تكبيرة الإحرام كركوع أو سجود، وذكر قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فإنه يعود وجوبًا، فيأتي به وبما بعده.
وإن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، بطلت الركعة التي تركه منها، وقامت الركعة التي تليها مقامها.
ب- ترك واجب: مثل: نسيان التشهد الأول، أو التسبيح في الركوع، ففي هذه الحالة، يسجد للسهو.
3- الحالة الثالثة:
الشك: مثال: لو شك هل صلّى ثلاثًا أو أربعًا في صلاة الظهر، ففي هذه الحالة:
أ- إن ترجح له شيء؛ عمل به، وسجد للسهو.
ب- أنه لم يترجح له شيء؛ فيبني على اليقين، ويسجد للسهو.
فإن كان الشك بعد الصلاة، أو كان كثير الشكوك؛ لم يلتفت إلى ذلك الشك.
فائدة: يكون سجود السهو قبل السلام: إن كان عن نقص، أو عن شك ولم يترجح عنده شيء، ويكون بعد السلام: إن كان عن زيادة، أو عن شك عمل فيه بالراجح، والأمر في ذلك واسع إن شاء الله تعالى.
الحادي عشر: أوقات النهي عن الصلاة:
الأصل جواز الصلاة في جميع الأوقات، ولكن جاء الشرع بتحريم الصلاة في بعض الأوقات، وهي كما يلي:
1- من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وارتفاعها قدر رمح عن الأرض في رأي العين.
2- عندما تتوسط في السماء حتى تزول، وهو أقصر أوقات النهي.
3- من صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وهو أطول أوقات النهي.
الصلوات التي يجوز فعلها في أوقات النهي:
1- قضاء الفرائض الفائتة.
2- صلاة ذوات الأسباب، مثل: تحية المسجد، وركعتي الطواف، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة.
3- قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر.
الثاني عشر: صلاة الجماعة:
وهي شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجماعة في المساجد، فقد اتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أوكد الطاعات وأعظم القربات، بل هي أعظم شعائر الإسلام.
حكم صلاة الجماعة:
وصلاة الجماعة واجبة في المسجد للصلوات الخمس على الرجال القادرين، في الحضر والسفر، في حال الأمان وحال الخوف وجوبًا عينيًّا.
وقد دل على وجوب صلاة الجماعة: الكتاب والسنة، وعمل المسلمين قرنًا بعد قرن، خلفًا عن سلف.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ...﴾ [النساء: 102]. حيث دلت الآية على تأكد وجوب صلاة الجماعة، حيث لم يُرخَّص للمسلمين في تركها حال الخوف، فلو كانت غير واجبة، لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف. وترك صلاة الجماعة والتثاقل عنها من أشهر صفات المنافقين.
ومن السنة: أحاديث كثيرة، منها:
ما جاء في صحيح مسلم أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ»(33).
فأمره النبي ﷺ بالحضور إلى المسجد لصلاة الجماعة وإجابة النداء، مع أنه أعمى ومع ما يلاقيه من المشقة، فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة.
ما تُدرَك به الجماعة:
تدرك الجماعة بإدراك ركعة من الصلاة مع الإمام، لقوله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»(34).
ما تُدرك به الركعة:
تدرك الركعة بإدراك الركوع، فإذا أدرك المسبوق إمامه راكعًا: فيجب أن يكبّر تكبيرة الإحرام وهو واقف، ثم يركع مكبرًا مرة أخرى للركوع، وإن اقتصر على تكبيرة الإحرام حال قيامه أجزأته عن تكبيرة الركوع.
الأعذار التي تبيح للإنسان ترك صلاة الجماعة:
1- المرض إذا كان يشق معه الحضور إلى الجمعة والجماعة.
2- مدافعة البول أو الغائط؛ لما يترتب على مدافعتهما من ذهاب الخشوع في الصلاة، ولما فيه من الضرر على البدن.
3- حضور الطعام والإنسان جائع أو كانت نفسه تَتُوقُ إلى الطعام، على ألا يُتخذ عادة أو حيلة للتخلف عن صلاة الجماعة.
4- الخوف المحقق على النفس أو المال أو غيرهما.
الثالث عشر: صلاة الخوف:
تشرع صلاة الخوف في كل قتال مباح، كقتال الكفار، والبغاة، والمحاربين، لقوله تعالى: ﴿...إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ...﴾ [النساء: 101]، وقِس عليه الباقي ممن يجوز قتالهم.
وتشرع صلاة الخوف بشرطين:
1) أن يكون العدو يحل قتاله.
2) أن يخاف هجومه على المسلمين حال الصلاة.
صفة صلاة الخوف:
لها صفات متعددة، وأشهرها كما ورد في حديث سهل رضي الله عنه: «أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَ النَّبِي ﷺ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» (35).
ونستفيد من صلاة الخوف:
1- أهمية الصلاة في الإسلام، وأهمية صلاة الجماعة، فإنها لم تسقط في هذه الأحوال الحرجة.
2- نفي الحرج عن هذه الأمة، وسماحة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
3- كمال الشريعة الإسلامية، وأنها شَرَعَت لكل حالة ما يناسبها.
الرابع عشر: صلاة الجمعة:
أولًا: حكمها:
صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم ذَكَرٍ بالغ عاقل مستوطن لا عذر له.
لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ9﴾ [الجمعة: 9].
ولقوله ﷺ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ»(36).
ثانيًا: شروط صحة صلاة الجمعة:
1) الوقت: ووقتها كوقت صلاة الظهر، فلا تصح قبل وقتها، ولا بعد خروجه.
2) أن يحضرها جماعة، وأقل الجماعة ثلاثة على الصحيح، فلا تصح من منفرد، ولا من اثنين.
3) أن يكون المصلون مستوطنين بمساكن مبنية بما جرت العادة بالبناء به، سواء أكان ذلك من الإسمنت المسلح أو من الحجارة أو من الطين وغيرها، وعليه فلا تصح من أهل البوادي أصحاب الخيام وبيوت الشعر، الذين لا يستوطنون مكانًا ثابتًا، بل ينتقلون ويتتبعون العشب لمواشيهم.
4) أن يتقدمها خطبتان، لمواظبة النبي ﷺ عليهما.
ثالثًا: أركان خطبتي الجمعة:
1- حمد الله والشهادتان.
2-الصلاة على النبي ﷺ.
3-الوصية بتقوى الله.
4-قراءة شيء من القرآن.
5-الموعظة.
رابعًا: مستحبات خطبتي الجمعة:
1- الخطبة على منبر.
2- الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة.
3- الدعاء فيهما للمسلمين ولولاة أمورهم.
4- تقصيرهما.
5- سلام الخطيب على الناس عند صعود المنبر.
خامسًا: مستحبات يوم الجمعة:
1- التسوك.
2- مس الطِّيبِ إن وُجد.
3- التبكير في الخروج إلى صلاة الجمعة.
4- المشي إلى المسجد وعدم الركوب.
5-الدنو من الإمام.
6- الدعاء.
7- قراءة سورة الكهف.
الصلاة على النبي
ﷺ
.
سادسًا: ما يُنهى عنه من حضر الجمعة:
1- يحرم الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة، لقوله ﷺ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغُوتَ»(37). أي: قلت اللغو، واللغو: الإثم.
2- يُكره تَخَطِّي رقاب الناس، إلا إذا كان إمامًا، أو التخطي إلى فرجة لا يصل إليها إلا بذلك.
إدراك الجمعة:
من أدرك الركوع مع الإمام في الركعة الثانية من صلاة الجمعة؛ فقد أدرك الجمعة، ويُتِمُّها ركعتين، وإن لم يدرك الركوع من الركعة الثانية؛ فقد فاتته الجمعة، ويتمها ظهرًا أربع ركعات، وكذلك من فاتته الجمعة لنوم أو غيره؛ فإنه يصليها ظهرًا.
الخامس عشر: صلاة أهل الأعذار:
أولًا: صلاة المريض:
أولًا: يجب على المريض أن يؤدي الصلاة حسب استطاعته، ولا يجوز له تأخيرها عن الوقت ما دام عقله حاضرًا.
ثانيًا: كيف يصلي المريض؟:
1- يجب على المريض أن يصلي قائمًا إذا كان يستطيع القيام من غير مشقة أو ضرر، ويركع ويسجد.
2- فإن كان يتضرر بالركوع أو السجود مع قدرته على القيام؛ أومأ بالركوع قائمًا، وبالسجود قاعدًا.
3- فإن لم يستطع الصلاة قائمًا؛ صلى قاعدًا، والسنة أن يكون متربعًا في موضع القيام، ويؤمئ بالركوع، ويسجد على الأرض إن تيسر، وإلا أومأ بالسجود، ويكون أخفض من الركوع.
4- فإن لم يستطع الصلاة قاعدًا؛ صلى على جنبه، ووجهه إلى القبلة، والجَنب الأيمن أفضل إن تيسر، ويؤمئ بالركوع والسجود.
5- فإن لم يستطع الصلاة على جنبه؛ صلى مستلقيًا على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، ويؤمئ بالركوع والسجود.
6- فإن لم يتيسر له الإيماء ببدنه في الركوع والسجود؛ أومأ برأسه، فإن شق عليه؛ سقط عنه الإيماء، وأجرى أعمال الصلاة على قلبه، فينوي أفعال الصلاة من ركوع وسجود وجلوس وهو على حاله، ويأتي بأذكارها.
7- يفعل المريض من شروط الصلاة ما يقدر عليه، مثل: استقبال القبلة، والوضوء بالماء، أو التيمم عند العجز، والطهارة من النجاسات، وإذا عجز عن شيء من ذلك؛ سقط عنه، ويصلي حسب حاله، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.
8- السنة أن يجلس المريض متربعًا في موضع القيام والركوع، ومفترشًا في سوى ذلك.
ثانيًا: صلاة المسافر:
1- ومن أهل الأعذار: المسافر، فيُشرع له قَصرُ الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ...﴾ [النساء: 101].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ»(38).
ويبدأ القصر بخروج المسافر من عامر بلده؛ لأن الله أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبل الخروج من بلده لا يكون ضاربًا في الأرض ولا مسافرًا، ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل.
2- المسافة التي إذا أراد المسافر قطعها جاز له قصر الصلاة هي ثمانون كيلومتر تقريبًا.
3- للمسافر القصر في رجوعه حتى يدخل بلده الذي خرج منه.
4- إذا وصل المسافر بلدًا وأراد الإقامة فيه؛ فله ثلاث حالات:
أ) أن ينوي الإقامة أكثر من أربعة أيام؛ فيجب عليه إتمام الصلاة من أول يوم استقر فيه، ولا يترخص برخص السفر.
ب) أن ينوي الإقامة أربعة أيام فأقل؛ فيجوز له القصر والترخص برخص السفر.
ج) ألا ينوي إقامة محددة، بل قد يبقى يومًا أو عشرة أيام حسب مناسبة المكان له، أو لديه غرض من علاج أو مراجعة، ومتى انتهى غرضه رجع إلى بلده؛ فهذا يجوز له القصر والترخص برخص السفر حتى يرجع، ولو زادت مدة بقائه على أربعة أيام.
5- إذا صلى المسافر خلف إمام مقيم؛ وجب عليه إتمام الصلاة، ولو لم يدرك معه إلا التشهد الأخير.
6- إذا صلى المقيم خلف مسافر يقصر الصلاة؛ وجب على المقيم إتمام صلاته بعد سلام الإمام.
السادس عشر: صلاة العيدين:
أعياد المسلمين أعياد ربانية، شرعها الله تعالى لهم، ولم يُشَرِّعُوها من عند أنفسهم، وليس لهم إلا عيدان فقط، هما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، بخلاف أعياد الكفار أو الأعياد البدعية التي لم يشرعها الله تعالى ولم يأمر بها، بل شَرَّعُوها من عند أنفسهم.
حكم صلاة العيدين:
فرض كفاية، واظب عليها النبي ﷺ، وواظب عليها الخلفاء الراشدون، رضي الله عنهم أجمعين، وهي من أعلام الدين وشعائره الظاهرة.
وقت صلاة العيدين: يبدأ وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر رمح أي: بعد ربع ساعة تقريبًا من طلوع الشمس، وينتهي وقتها عند زوال الشمس.
صفة صلاة العيدين:
1- يُكبّر في الركعة الأولى تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يكبر ست تكبيرات، يرفع يديه مع كل تكبيرة، ويحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ بين التكبيرات، ثم يتعوّذ ويبسمل، ويشرع في القراءة.
2- ويكبر في الركعة الثانية بعد تكبيرة الانتقال خمس تكبيرات، ثم يستعيذ ويبسمل، ويشرع في القراءة، ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة الأعلى، وفي الثانية سورة الغاشية.
3- فإذا سلم الإمام؛ صعد المنبر، فخطب خطبتين، ويجلس بينهما جلسة خفيفة، كما تفعل في خطبة الجمعة.
سنن العيد:
أ- الغسل.
ب- التنظف والتطيب.
ج- الأكل قبل الخروج في عيد الفطر، وبعده في عيد الأضحى من أضحيته إن كان له أضحية.
د- الخروج ماشيًا.
هـ- الذهاب من طريق، والرجوع من طريق آخر.
و- التبكير إلى المصلّى للمأموم دون الإمام.
التكبير:
يسن التكبير ليلتي العيدين، وعشر ذي الحجة، وأيام التشريق، وهو نوعان:
النوع الأول: التكبير المطلق: وهو الذي لم يقيد بوقت محدد.
1- في الفطر: من غروب الشمس ليلة العيد إلى بدء صلاة العيد.
2- في الأضحى: من غروب الشمس ليلة اليوم الأول من ذي الحجة إلى غروب شمس آخر أيام التشريق.
النوع الثاني: التكبير المقيد: وهو المقيد بأدبار الصلوات المفروضة.
1- غير المُحرِم: من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.
2- المُحرِم: من صلاة الظهر يوم العيد إلى عصر آخر أيام التشريق.
السابع عشر: صلاة الكسوف:
معنى الخسوف والكسوف:
الخسوف: هو ذهاب نور القمر أو بعضه في الليل.
والكسوف: هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار.
حكم صلاة الكسوف:
سنة مؤكدة، دل على ذلك فعل الرسول ﷺ، حيث صلاها لما كسفت الشمس على عهده ﷺ، كما دل عليها أمره بها، وأجمع العلماء على مشروعيتها.
وقتها:
من ابتداء الكسوف أو الخسوف إلى التجلي، وهو زوال الخسوف أو الكسوف.
صفتها:
عدد ركعاتها ركعتان، يجهر فيهما بالقراءة، وصفتها كما يلي:
أ- يكبر للإحرام، ويستفتح ويستعيذ ويبسمل، ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ قراءة طويلة.
ب- ثم يركع ركوعًا طويلًا.
ج-ثم يرفع من الركوع، ويقول: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ قراءة طويلة أقصر من الأولى.
د- ثم يركع ركوعًا طويلاً أقصر من الركوع الأول.
هـ- ثم يرفع من الركوع، ويقول: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ).
و- ثم يسجد سجدتين طويلتين.
ز- ثم يرفع للركعة الثانية، وهي مثل الركعة الأولى، ولكنه أقل طولاً منها.
سننها:
أ) النداء لها بقول: (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ).
ب) أن تُصلَّى في جماعة.
ج) التطويل في الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها.
د) أن تكون الركعة الثانية أقصر من الأولى.
هـ) الموعظة بعدها، والحث على فعل الطاعات وترك المنكرات.
و) كثرة الدعاء والتضرع والاستغفار والصدقة.
الثامن عشر: صلاة الاستسقاء:
الاستسقاء: هو طلب السقيا من الله تعالى بإنزال المطر عند الجَدْب.
وقت مشروعية صلاة الاستسقاء:
تشرع صلاة الاستسقاء إذا أجدبت الأرض، وانحبس المطر، وحصل الضرر من انقطاعه، فلا مناص لهم إلا أن يتضرعوا إلى ربهم ويستسقوه، ويستغيثوه بأنواع من التضرع.
أ- تارة بالصلاة جماعة، أو فرادى.
ب- وتارة بالدعاء في خطبة الجمعة، يدعو الخطيب، ويُؤمِّن المسلمون على دعائه.
ج-وتارة بالدعاء في أي وقت، بلا صلاة ولا خطبة.
حكم صلاة الاستسقاء:
سنة مؤكدة عند وجود سببها، لفعل النبي ﷺ، كما في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ»(39).
صفة صلاة الاستسقاء:
صفة صلاة الاستسقاء في موضعها كصلاة العيد، فيستحب فعلها في المصلى كصلاة العيد، وأحكامها كأحكام صلاة العيد؛ في عدد الركعات، والجهر بالقراءة، وفي كونها تصلى قبل الخطبة، وفي التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى والثانية قبل القراءة، كما سبق بيانه في صلاة العيدين، ويخطب خطبة واحدة.
التاسع عشر: أحكام الجنائز:
أولًا: لمن حضر المحتضِر:
1- يُسن لمن حضر المحتضر أن يُلَقِّنَه: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
2- ويسن أن يوجَّه إلى القبلة.
3- ويستحب تغميض عينيه.
4- ويسن ستر الميت بعد وفاته بثوب.
5- وينبغي الإسراع في تجهيزه.
6- ويجب الإسراع بقضاء ديونه.
7- ويُغَسَّل الميت ويُكَفَّن، وهما فرض كفاية.
ثانيًا: أحكام الصلاة على الميت:
حكمها: فرض كفاية.
شروطها:
1) استقبال القبلة.
2) ستر العورة.
3) اجتناب النجاسة.
4) طهارة المصلي والمُصلَّى عليه.
5) إسلام المصلِّي والمُصلَّى عليه.
6) حضور الجنازة إن كان بالبلد.
7) أن يكون مكلفًا.
أركانها:
1) القيام فيها.
2) التكبيرات الأربع.
3) قراءة الفاتحة.
4) الصلاة على النبي ﷺ.
5) الدعاء للميت.
6) الترتيب.
7) التسليم.
سننها:
1) رفع اليدين مع كل تكبيرة.
2) الاستعاذة.
3) الدعاء لنفسه وللمسلمين.
4) الإسرار بالقراءة.
5) أن يقف بعد التكبيرة الرابعة وقبل التسليم قليلاً.
6) وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر.
7) الالتفات على اليمين في التسليم.
صفتها:
أن يقوم الإمام والمنفرد عند صدر الرجل ووسط المرأة، ويكبر للإحرام، ويتعوذ، ولا يستفتح، ويسمي، ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر، ويصلي بعدها على النبي ﷺ، ثم يكبر، ويدعو للميت بما ورد؛ مثل قوله ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»(40).
وقوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ»(41).
ثم يكبر، ويقف بعدها قليلًا، ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.
***
المبحث الثالث
الزكاة
1- تعريف الزكاة ومكانتها:
الزكاة لغة: النماء والزيادة.
الزكاة شرعًا: حق واجب شرعًا في أموال محددة لطائفة مخصوصة.
وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في القرآن في اثنين وثمانين موضعًا، مما يدل على عِظَم شأنها.
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ...﴾ [البقرة: 43].
وقال ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّـهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّـهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»(42).
وأجمع المسلمون على فرضيتها، وعلى كفر من جحد وجوبها، وقتال من منع إخراجها.
2- شروط وجوب الزكاة:
أ) الحرية: فلا تجب على المملوك؛ لأنه لا مال له، وما بيده مِلكٌ لسيده، فتكون زكاته على سيده.
ب) الإسلام: فلا تجب على الكافر؛ لأنها قربة وطاعة، والكافر ليس من أهل القربة والطاعة.
ج) ملك النصاب: فلا تجب فيما دون النصاب، وهو قدر معلوم من المال.
د) تمام الملكية: بأن يكون المال مملوكًا للشخص ملكًا تامًّا كاملًا، فلا زكاة في مال لم تستقر ملكيته، كدين الكتابة.
هـ) مضي الحول على المال؛ لحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ»(43).
3- الأموال التي تجب فيها الزكاة:
أولًا: بهيمة الأنعام:
1- أن تُتَّخذ للدَّر والنسل، لا للعمل.
2- أن تكون سائمة (أي: راعية)، فلا تجب الزكاة في دوابٍّ تُعلف بعلف اشتراه لها، أو جَمَعَه من الكلأ أو غيره، ولا زكاة في التي ترعى بعض العام لا جميعه أو أكثره.
4- أنصبة بهيمة الأنعام:
1- زكاة الإبل:
إذا توفرت الشروط؛ وجب في كل خمس من الإبل شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، كما دلّ على ذلك السنة والإجماع.
فإذا بلغت خمسًا وعشرين، ففيها بنت مخاض، وهي ما تم لها سنة ودخلت السنة الثانية، فإن عدمها أجزأ منها ابن لبون.
وإذا بلغت الإبل ستًّا وثلاثين؛ وجب فيها بنت لبون، وهي: ما تم لها سنتان.
فإذا بلغت ستًّا وأربعين؛ وجب فيها حِقَّة، وهي ما تم لها ثلاث سنين.
فإذا بلغت الإبل إحدى وستين؛ وجب فيها جذعة، وهي ما تم لها أربع سنين.
فإذا بلغ مجموع الإبل ستًّا وسبعين؛ وجب فيها بنتا لبون اثنتان.
فإذا بلغت الإبل إحدى وتسعين؛ وجب فيها حقتان.
فإذا زاد مجموع الإبل عن مئة وعشرين بواحدة، وجب فيها ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
2- زكاة البقر:
تجب فيها إذا توفرت الشروط إذا بلغت ثلاثين: تَبِيعٌ أو تَبِيعةٌ؛ وهي ما تم لكل منها سنة ودخل في السنة الثانية.
ولا شيء فيما دون الثلاثين.
فإذا بلغت أربعين؛ وجب فيها بقرة مسنة، وهي: ما تم لها سنتان.
فإذا زاد مجموع البقر على أربعين؛ وجب في كل ثلاثين منها تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
3- زكاة الغنم:
إذا بلغ مجموع الغنم أربعين سواء كان ضأنًا أو معزًا، ففيها شاة واحدة، وهي جذع ضأن، أو أنثى معز.
ولا زكاة في الغنم إذا نقص عددها عن أربعين، فإذا بلغ مجموع الغنم مائة وإحدى وعشرين؛ وجب فيها شاتان، فإذا بلغت مئتين وواحدة؛ وجب فيها ثلاث شياه.
ثم تستقر الفريضة فيها بعد هذا المقدار، فيجب في كل مئة شاة، ففي أربعمائة أربع شياه، وهكذا.
ثانيًا: زكاة الخارج من الأرض:
الخارج من الأرض نوعان:
1) الحبوب والثمار.
2) المعادن.
النوع الأول: الحبوب والثمار:
تجب الزكاة في الحبوب؛ مثل: البُرُّ والشعير والأرز، وفي الثمار؛ مثل: التمر والزبيب، ولا تجب في غير ذلك من النباتات؛ كالبقول والخضروات.
شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار:
1) أن تكون مدَّخرة: فلا زكاة فيما لا يُدَّخر كالفواكه والخضروات.
2) أن تكون مَكِيلَة: فلا زكاة فيما يباع بالعدِّ أو الوزن؛ كالبطيخ، والبصل، والرمان، وغيرها.
3) أن تبلغ نصابًا: وهو خمسة أوسق، فلا زكاة فيما قلَّ عن ذلك.
4) أن يكون النصاب مملوكًا وقت وجوب الزكاة.
فمن ملكه بعد وقت وجوب الزكاة لم تجب عليه الزكاة كما لو اشتراه أو أهدي له بعد حصاده.
وقت وجوب زكاتها:
تجب الزكاة في الحبوب والثمار إذا بدأ صلاحها، وعلامة بدو الصلاح كما يلي:
أ- في الحَبِّ: إذا اشتدَّ وقسَا وصار صلبًا.
ب- في ثمار النخيل: بأن تَحمَرَّ أو تَصفَرَّ.
ج- في العنب: أن يكون ليِّنًا حلوًا.
نصابها:
نصاب الحبوب والثمار: خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا، فيكون النصاب ثلاثمائة صاع نبوي، ويساوي النصاب بالكيلو جرامات: 900 كجم تقريبًا.
مقدار الزكاة الواجبة فيها:
يجب العُشر فيما سقي بلا مَؤُونَة ولا كُلْفَة؛ كالذي يسقي بمياه الأمطار والعيون.
ويجب نصف العُشر فيما سقي بمؤونة وكلفة؛ كالذي يسقى بالماء الذي يُضخُّ من الآبار والأنهار بواسطة الحيوانات أو الآلات الحديثة.
النوع الثاني: المعادن:
من أنواع الخارج من الأرض: المعادن، وهي ما يستخرج من الأرض من غير جنسها؛ كالذهب والفضة والحديد والجواهر.
وقت وجوب الزكاة فيها:
إذا حازها وملكها؛ أخرج زكاتها مباشرة، إذ لا يشترط لها مضي الحول، ونصابها هو نصاب الذهب والفضة، ويخرج منه ربع العشر من قيمته.
ثالثًا: زكاة الأثمان:
الأثمان هي: الذهب والفضة والأوراق النقدية، وزكاتها واجبة، والدليل: قوله تعالى: ﴿...وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 34﴾ [التوبة: 34].
وفي الحديث: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي فِيهَا حَقَّهَا؛ إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ»(44).
وأجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، والأوراق النقدية لها حكم الذهب والفضة؛ لأنها حلَّت مَحَلَّهَا في التعامل النقدي.
نصاب الزكاة في الأثمان، ومقدار الواجب فيها:
هو نصاب الذهب أو الفضة؛ لأنها حلَّت محلهما في الثمنية، فإذا بلغَت نِصاب أحدهما وجبَت فيها الزكاة، والغالب تقدير نصاب الأوراق النقدية اليوم بالفضة؛ لأنها أرخص من الذهب فتبلغ نصابها قبله، فإذا ملك المسلم ما يُعادل قيمة (595) جرامًا من الفضة، وحال عليه الحول وجبَت فيه الزكاة.
وقيمة جرام الفضة تتغيَّر من وقت لآخَر، فمن كان عنده مال قليل لا يَدري هل بلغ النِّصاب أم لا، فإنه يسأل تجار الفضة عن قيمة جرام الفضة، ثم يضربه في (595)، والناتج هو النِّصاب.
فائدة: إذا أراد أن يخرج زكاة ماله؛ قسَّم النصاب على أربعين، فما خرج فهو القدر الواجب.
رابعًا: زكاة عروض التجارة:
هي ما أُعِدَّ للبيع والشراء من أجل الربح، وتشمل عروض التجارة جميع أنواع الأموال غير النقود؛ كالسيارات والملابس والأقمشة والحديد والأخشاب وغيرها مما أعد للتجارة.
شروط وجوب زكاة عروض التجارة:
1- أن يملكها بفعله؛ كالبيع، والإجارة، وغير ذلك من وجوه المكاسب.
2- أن يملكها بنية التجارة؛ بأن يقصد التكسب بها، لأن الأعمال بالنيات، والتجارة عمل، فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال.
3- أن تبلغ قيمتها نصابًا من أحد النقدين.
4- تمام الحول عليها، وهو مضي السنة.
كيفية إخراج زكاة العروض:
أنها تُقوَّم العروض عند تمام الحول بأحد النقدين الذهب أو الفضة، فإذا قُوِّمَت وبلغت نصابًا بأحد النقدين؛ أخرج ربع العشر من قيمتها.
خامسًا: زكاة الفطر:
هي الصدقة الواجبة في ختام شهر رمضان، وقد فرضت في السنة الثانية من الهجرة.
حكمها:
زكاة الفطر واجبة على كل مسلم يملك في يوم العيد وليلته طعامًا زائدًا على ما يكفيه ويكفي عياله.
وتجب على كل مسلم؛ ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، لحديث: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ»(45). وفرض بمعنى: ألزم وأوجب.
الحكمة من مشروعيتها:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ»(46).
وقت وجوبها وإخراجها:
تجب زكاة الفطر بغروب الشمس من ليلة العيد، ويستحب إخراجها يوم العيد قبل الذهاب لصلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، فإن أخَّرها عن صلاة العيد؛ وجب عليه إخراجها قضاء، ويكون آثمًا بتأخيرها عن الوقت المحدد.
ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين.
مقدارها وما تُخرَج منه:
صاع من الطعام المعتاد لأهل البلد؛ كالأرز والتمر والبُرِّ أو غيرها. ومقدار الصاع: ثلاثة كيلوجرامات تقريبًا.
ولا يجوز إخراج القيمة؛ بأن يدفع نقودًا بدلاً عنها؛ لأنه خلاف أمر الرسول ﷺ.
إخراج الزكاة ومصارفها:
وقت إخراجها:
يجب إخراج الزكاة فورًا إذا حل وقت وجوبها، ولا يجوز تأخيرها إلا لضرورة، كأن يكون المال في بلاد بعيدة عنه ولا يوجد من يوكِّلُه.
مكان إخراجها:
الأفضل إخراج الزكاة في البلد الذي فيه المال، ويجوز نقلها من البلد الذي فيه المال إلى بلد آخر في حالات:
أ- إذا لم يكن في البلد محتاج إلى الزكاة.
ب- إذا وجد قريب محتاج في البلد الآخر.
ج- إذا وجدت مصلحة شرعية تدعو إلى نقلها، مثل: نقلها إلى مناطق المسلمين المنكوبين بالمجاعات والفيضانات.
وتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، لعموم الأدلة، ويتولى إخراجها عنهما وليهما في المال، ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية، لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»(47).
أهل الزكاة
الأصناف الذين يعطون من الزكاة ثمانية:
الصنف الأول: الفقراء:
وهم الذين لا يجدون كفايتهم الأساسية من المسكن والمطعم والملبس، ومقدار ما يعطون من الزكاة ما يكفيهم ويكفي من يعولون لسنة.
الصنف الثاني: المساكين:
وهم الذين يجدون أكثر الكفاية، ولكن لا يجدون تمامها، مثل: من له راتب، ولكن لا يكفيه لسنة.
مقدار ما يعطون من الزكاة: تمام كفايتهم وكفاية من يعولونهم لسنة.
الصنف الثالث: العاملون عليها:
وهم الذين يُكَلِّفُهُم ولي الأمر بجمع الزكاة، أو يَتَوَلَّون حفظها أو إيصالها إلى المحتاجين.
مقدار ما يعطون من الزكاة: قدر أجرهم على عملهم، ما لم يكن لهم أجر أو راتب من الدولة.
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم:
وهم كل من يرجى بعطيته: إسلامه، أو قوة إيمانه، أو كف شره عن المسلمين.
مقدار ما يعطون من الزكاة: بقدر ما يحصل به تأليفهم.
الصنف الخامس: الرّقاب:
ويقصد به: إعتاق العبيد والمكاتبين.
والمكاتب: هو المملوك الذي اشترى نفسه من مالكه، ويدخل فيه فداء أسرى المسلمين في الحروب.
الصنف السادس: الغارمون، وهم نوعان:
الأول: من عليه دين لحاجة نفسه، ولا يجد ما يقضي به دينه، ويعطى ما يفي لدينه.
الثاني: من عليه دين بسبب إصلاحه ذات البين، ويعطى ما يفي بدينه ولو كان غنيًّا.
الصنف السابع: في سبيل الله:
وهم الذين يجاهدون في سبيل الله.
مقدار ما يعطون من الزكاة: ما يكفيهم للجهاد في سبيل الله؛ من مركب وسلاح ومطعم وغير ذلك.
الصنف الثامن: ابن السبيل:
وهو المسافر الذي انتهت نفقته، أو سرقت منه، ولم يبق معه من المال ما يوصله إلى بلده.
مقدار ما يعطون من الزكاة: بقدر ما يوصله إلى بلده، ولو كان غنيًّا فيها.
***
المبحث الرابع
الصوم
الصيام هو: التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وهو ركن من أركان الإسلام، وفرض من فروض الله تعالى، معلوم من الدين بالضرورة.
ودل على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُ...﴾ [البقرة: 185].
شروط وجوب صيام رمضان:
1- الإسلام، فلا يصح من الكافر.
2- البلوغ، فلا يجب على الصغير، ويصح الصوم من الصغير المميز، ويكون في حقه نافلة.
3- العقل، فلا يجب الصوم على المجنون، ولا يصح منه؛ لعدم النية.
4- القدرة عليه، فلا يجب على المريض الذي يعجز عنه، ولا على المسافر، ويقضيانه حال زوال العذر: المرض والسفر.
ويشترط لصحته من المرأة: انقطاع دم الحيض والنفاس.
يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين، هما:
أ- رؤية هلال شهر رمضان، لقوله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»(48).
ب- إكمال شهر شعبان ثلاثين يومًا، وذلك إذا لم يُرَ هلال رمضان، أو حَالَ دون رؤيته غيم أو غبار أو نحو ذلك، لقوله ﷺ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ؛ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا»(49).
النية في الصيام:
الصيام كغيره من العبادات لا يصح إلا بنية، ويختلف وقت وجوب النية في الصيام الواجب عن غيره، وبيان ذلك كما يلي:
أولًا: الصيام الواجب؛ كصيام رمضان أو القضاء أو النذر، تجب نيته ليلًا قبل طلوع الفجر، لقوله ﷺ: «مَن لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»(50).
ثانيًا: صيام التطوع، ويصح أن ينويه الشخص من النهار، بشرط ألا يكون قد تناول مفطرًا بعد طلوع الفجر.
مفسدات الصوم:
الأول: الجماع: فمتى جامع بطل صيامه، ولزمه قضاء ذلك اليوم الذي جامع فيه، ويجب عليه مع القضاء الكفارة، وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطيع بأن لم يقدر لعذر شرعي، فعليه أن يطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين نصف صاع من الطعام المأكول في البلد.
الثاني: إنزال المني: بسبب تقبيل، أو لمس، أو استمناء، أو تكرار نظر، فعليه القضاء فقط بدون كفارة؛ لأن الكفارة تختص بالجماع. أما النائم فإذا احتلم، فأنزل؛ فلا شيء عليه؛ لأن ذلك بدون اختياره، فيغتسل من الجنابة.
الثالث: الأكل والشرب متعمدًا؛ لقوله تعالى: ﴿...وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِ...﴾ [البقرة: 187].
أما من أكل أو شرب ناسيًا؛ فلا شيء عليه؛ لحديث: «مَن نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»(51).
الرابع: إخراج القيء عمدًا، أما من غلبه القيء بدون اختياره؛ فلا يؤثر على صيامه؛ لقوله ﷺ: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَن اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ»(52).
الخامس: إخراج الدم من البدن؛ بحجامة، أو فَصْد، أو سحب دم للتبرع به لإسعاف مريض؛ فيفطر بذلك كله.
أما إخراج الدم القليل الذي يستخرج للتحليل؛ فهذا لا يؤثر على الصيام، وكذلك خروج الدم بغير اختياره؛ كالرعاف أو جروح أو خلع سن؛ فهذا لا يؤثر على الصيام.
من يباح لهم الفطر في رمضان:
القسم الأول: من يباح لهم الفطر، ويجب عليهم القضاء، وهم:
أولًا: المريض مرضًا يرجى شفاؤه، ويتضرر من الصيام أو يشق عليه.
ثانيًا: المسافر؛ سواء وجد مشقة في السفر أو لم يجد مشقة.
والدليل عليهما: قوله تعالى: ﴿...وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ...﴾ [البقرة: 185].
ثالثًا: المرأة الحامل أو المرضع، إذا كان الصيام يشق عليهما، أو يضر بهما أو بولديهما، وهما في حكم المريض، فهؤلاء يجوز لهما الفطر، ولكن يجب عليهما قضاء الصوم في وقت آخر.
رابعًا: المرأة الحائض والنفساء، والفطر واجب عليهما، ولا يصح صومهما، وعليهما القضاء في أيام أُخر.
القسم الثاني: من يباح له الفطر، ويجب عليه الكفارة دون القضاء، وهم:
أولًا: المريض مرضًا لا يرجئ برؤه.
ثانيًا: كبير السن الذي لا يستطيع الصيام.
فهؤلاء يفطرون، ويطعمون عن كل يوم من شهر رمضان مسكينًا، وأما إذا وصل الكبير إلى درجة الخرف فإنه يزول عنه التكليف؛ فيفطر ولا شيء عليه.
وقت القضاء وحكم تأخيره:
يجب قضاء صيام رمضان فيما بينه وبين رمضان التالي له، والأفضل المبادرة للقضاء، ولا يجوز تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان التالي، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»(53).
فمن أخَّر القضاء عقب رمضان التالي فله حالتان:
1- أن يؤخر لعذر شرعي، مثل: أن يستمر به المرض إلى رمضان الآخر، فهذا عليه القضاء فقط.
2- أن يؤخره لغير عذر شرعي، فهذا يأثم بالتأخير، ويجب عليه التوبة، والقضاء، وإطعام مسكين عن كل يوم.
صوم التطوع لمن عليه قضاء:
من كان عليه قضاء شيء من رمضان؛ فإن الأفضل المبادرة به قبل صيام التطوع، ولكن إذا كان صيام النفل مما يَفُوت وقته -كصيام عرفة وعاشوراء-؛ فيصومها قبل القضاء؛ لأن القضاء وقته واسع، وأما عاشوراء وعرفة فيفوت، ولكن لا يصوم ستًّا من شوال إلا بعد القضاء.
ما يَحرُمُ صومه:
1- صوم يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى؛ للنهي عنه.
2- صوم أيام التشريق من شهر ذي الحجة، إلا للمتمتع والقارن في الحج إذا لم يجد الهدي، وأيام التشريق هي: اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة.
3- يوم الشك من أجل الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كانت ليلته ليلة غيم أو غبار يحول دون رؤية الهلال.
ما يُكره صومه:
أ- إفراد شهر رجب بالصوم.
ب- إفراد يوم الجمعة بالصوم، للنهي عن ذلك، فإن صام يومًا قبله أو بعده زالت الكراهة.
ما يُسنُّ صومه:
أ- ستة أيام من شهر شوال.
ب- صيام تسع ذي الحجة، وآكدها يوم عرفة، إلا للحاج؛ فلا يُسن له صومه، وصيامه يُكَفِّر سنتين.
ج- صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن يجعلها أيام البيض، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.
د- صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، لأن النبي ﷺ كان يصومها؛ لأن أعمال العباد تعرض فيهما.
صيام التطوع:
أ- صيام داود عليه السلام، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا.
ب- صيام شهر الله المحرم، وهو أفضل شهر يستحب صومه، وآكده: صيام يوم عاشوراء، وهو العاشر من محرم، ويصوم التاسع معه؛ لقوله ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»(54)، ويكفر السنة التي قبله.
***
المبحث الخامس
الحج والعمرة
الحج لغة: القصد.
وشرعًا: قصد بيت الله الحرام والمشاعر في وقت مُعين لأداء مناسك مخصوصة.
والعمرة: لغة: الزيارة.
وشرعًا: زيارة البيت الحرام في أي وقت لأداء مناسك مخصوصة.
والحج أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وقد فُرض في السنة التاسعة من الهجرة، وحج النبي ﷺ حجة واحدة؛ وهي (حجة الوداع).
ويجب الحج في العمر مرة واحدة على المستطيع، وما زاد فهو تطوع، وأما العمرة فواجبة على قول كثير من العلماء، بدليل قوله ﷺ لما سئل: هل على النساء من جهاد؟ قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ»(55).
شروط وجوب الحج والعمرة:
1- الإسلام
2- العقل
3- البلوغ
4- الحرية
5- الاستطاعة
وتزيد المرأة شرطًا سادسًا؛ وهو وجود المَحرَم الذي يسافر معها لأدائه؛ لأنه لا يجوز لها السفر لحج ولا لغيره بدون محرم؛ لقوله ﷺ: «لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»(56).
ومَحرم المرأة هو: زوجها، أو من يحرم عليه نكاحها تحريمًا مؤبدًا؛ بنسب؛ كأخيها وأبيها وعمها وابن أخيها وخالها، أو بسبب مباح؛ كأخ من رضاع، أو بمصاهرة؛ كزوج أمها وابن زوجها.
والاستطاعة: هي: القدرة المادية والجسمية، بأن يُمكِنُه الركوب ويتحمل السفر، ويجد من المال بُلْغَتَه التي تكفيه ذهابًا وإيابًا، وأيضًا يجد ما يكفي أولاده ومن تلزمه نفقتهم إلى أن يعود إليهم.
ويكون طريق الحج آمنًا على نفسه وماله.
ومن كان قادرًا بماله دون جسمه، بأن كان كبيرًا هرمًا أو مريضًا مرضًا مزمنًا لا يُرجى برؤه؛ لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر.
ويشترط فيمن تصح نيابته في الحج والعمرة شرطان:
1- أن يكون ممن يصح أداؤه لفريضة الحج، وهو المسلم البالغ العاقل.
2- أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام.
مواقيت الإحرام:
المواقيت: جمع ميقات، وهو لغة: الحد.
وشرعًا: هو موضع العبادة أو زمنها.
للحج مواقيت زمانية ومكانية:
أ- المواقيت الزمانية: ذكرها الله بقوله: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ...﴾ [البقرة: 197].
وهذه الأشهر هي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
ب- المواقيت المكانية: وهي الحدود التي لا يجوز للحاج أن يتعداها إلى مكة بدون إحرام، وهي كما يلي:
1- ذو الحُلَيفة: ميقات أهل المدينة.
2- الجُحْفة: ميقات أهل الشام ومصر والمغرب.
3- قَرْن المنازل: ويعرف الآن بالسيل؛ ميقات أهل نجد.
4- ذات عِرْق: ميقات أهل العراق.
5- يَلَمْلَم: ميقات أهل اليمن.
ومن كان منزله دون هذه المواقيت؛ فإنه يُحرِم للحج والعمرة من منزله، ومَنْ كان مِن أهل مكة؛ فإنهم يحرمون من مكة، ولا يحتاجون إلى الخروج للميقات للإحرام.
وأما للعمرة؛ فإنهم يخرجون إلى أدنى الحل، ويحرمون، ومن أراد الحج أو العمرة فلابد أن يحرم بهما من الأماكن التي حددها الرسول ﷺ، وهي المواقيت المكانية التي سبق بيانها، فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة تجاوزها بدون إحرام.
- كل من مرّ على المواقيت المذكورة من غير أهلها؛ يُحرِم منها.
- من كان طريقه إلى مكة، ولا يمر بأحد المواقيت المذكورة برًا أو بحرًا أو جوًا؛ فإنه يُحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «انظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ»(57).
- من كان سفره لأداء مناسك الحج أو العمرة عن طريق الطائرة، فإنه يجب عليه الإحرام إذا مرّت الطائرة حذو الميقات الذي في طريقها، ولا يجوز له أن يؤخر الإحرام إلى نزول الطائرة في المطار.
الإحرام:
هو نية الدخول في النسك؛ ففي الحج هو: نية الدخول في الحج، وفي العمرة هو نية الدخول في العمرة. ولا يكون مُحرمًا إلا إذا نوى الدخول في النسك، وأما مجرد لبس ثياب الإحرام بدون نية فلا يكون إحرامًا.
مستحبات الإحرام:
1- الاغتسال قبل الإحرام لجميع بدنه.
2- تطيب الرجل في بدنه، لا في ملابس إحرامه.
3- إحرامه في إزار ورداء أبيضين ونعلين.
4- أن يحرم حال كونه راكبًا مستقبلًا القبلة.
أنواع النسك:
يُخَيَّر المُحرم فيما شاء من الأنساك الثلاثة، وهي:
1- التمتع؛ وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه.
2- الإفراد؛ وهو أن يحرم بالحج فقط من الميقات، ويبقى على إحرامه حتى يؤدي أعمال الحج.
3- القِران؛ وهو أن يحرم بالحج والعمرة معًا، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل شروعه في طوافها، فينوي العمرة والحج من الميقات، أو قبل الشروع في طواف العمرة، ويطوف لهما ويسعى.
وعلى المتمتع والقارن فدية، إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام.
وأفضل هذه الأنساك الثلاثة: التمتع؛ لأن النبي ﷺ أمر به أصحابه(58)، ثم القِران؛ لأنه حج وعمرة، ثم الإفراد.
فإذا أحرم بأحد هذه الأنساك؛ لبّى عقب إحرامه، فيقول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ»(59).
وهي سنة، ويستحب الإكثار منها، ويجهر بها الرجل، وتُسِرُّ بها النساء.
وقتها: يبدأ وقتها من بعد الإحرام، وآخر وقتها كما يلي:
أولًا: يقطعها المعتمر قبل أن يبدأ الطواف.
ثانيًا: يقطعها الحاج إذا بدأ في رمي جمرة العقبة يوم العيد.
محظورات الإحرام
المحظور الأول: حلق الشعر أو قصه أو نتفه من أي موضع من بدنه.
المحظور الثاني: تقليم الأظفار أو قصها من يد أو رجل بلا عذر، فإن انكسر ظفر فأزاله فلا فدية عليه.
المحظور الثالث: تغطية رأس الذكر بملاصق له، مثل: الطاقية والغترة.
المحظور الرابع: لبس الذكر المخيط على بدنه أو بعضه؛ من قميص أو عمامة أو سراويل.
والمخيط: ما عُمِلَ على قدر العضو كالخفين والقفازين والجوارب، وأما المرأة فتلبس من الثياب ما شاءت حال الإحرام لحاجتها إلى الستر، إلا أنها لا تلبس البرقع، وتغطي وجهها بغيره من الخمار والجلباب إذا مر بها الرجال الأجانب، ولا تلبس القفازين على كفيها.
المحظور الخامس: الطِّيب؛ لأن المحرم مطلوب منه أن يبتعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها، ويتجه إلى الآخرة.
المحظور السادس: قتل صيد البر واصطياده، فالمحرم لا يصطاد صيدًا بريًّا، ولا يعين على صيده، ولا يذبحه.
ويَحرُمُ على المُحرِم الأكل مما صاده، أو صِيدَ لأجله، أو أعان على صيده؛ لأنه كالميتة بالنسبة له.
وأما صيد البحر؛ فلا يحرم على المحرم اصطياده، ولا يحرم عليه ذبح الحيوان الإنسي كالدجاج وبهيمة الأنعام؛ لأنه ليس بصيد.
المحظور السابع: عقد النكاح لنفسه أو لغيره، أو أن يكون شاهدًا.
المحظور الثامن: الجماع؛ فمن جامع قبل التحلل الأول؛ فسد نسكه، ويلزمه المضي وإكمال مناسكه، ويقضيه ثاني عام، وعليه ذبح بدنة، وإن كان بعد التحلل الأول؛ لم يفسد نسكه، وعليه دم.
والمرأة في ذلك كالرجل إن كانت مطاوعة.
المحظور التاسع: المباشرة دون الفرج، فلا يجوز للمحرم مباشرة المرأة؛ لأنها وسيلة إلى الوطء المُحَرَّم، والمراد بالمباشرة: ملامسة المرأة بشهوة.
العمرة
أ- أركان العمرة:
1- الإحرام.
2- الطواف.
3- السعي.
ب- واجبات العمرة:
1- الإحرام من الميقات المعتبر.
2- الحلق أو التقصير.
ج- صفة العمرة:
أول ما يبدأ به المعتمر، أن يطوف سبعة أشواط، يبدأ من الحجر الأسود وينتهي به، ويكون في طوافه متطهرًا، ساترًا عورته من السرة إلى الركبة، ويسن له الاضطباع في جميع الطواف؛ وهو أن يكشف منكبه الأيمن، ويجعل الرداء تحته، ويجعل طرفي الرداء على منكبه الأيسر، وإذا أكمل الشوط السابع؛ ترك الاضطباع، وغطى منكبيه بردائه.
ويستقبل الحجر الأسود، فإن تمكن من تقبيله قبَّله، وإلا استلمه بيده اليمنى إن تيسر وقبَّل يده، وإذا لم يتيسر له استلام الحجر أشار إليه رافعًا يده اليمنى قائلاً: «اللهُ أَكْبَرُ» مرة واحدة، ولا يُقبِّل يده، ولا يتوقف، ثم يمضي في طوافه؛ جاعلًا الكعبة عن يساره، ويسن أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأُول، والرمل: سرعة المشي مع مقاربة الخُطى.
وإذا مر بالركن اليماني -وهو الركن الرابع للكعبة- فإن تيسر له استلمه بيده اليمنى من غير تكبير ولا تقبيل، وإن لم يتيسر له استلامه مضى ولم يشر إليه ولم يكبر، ويقول بين الركنين اليماني والأسود: ﴿...رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201].
وإذا انتهى من الطواف؛ صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام إن تيسر ذلك، وإلا صلاها في أي موضع من المسجد الحرام، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (الكافرون)، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة (الإخلاص)، ثم يتجه إلى المسعى، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط؛ ذهابه شوط ورجوعه شوط.
ويبدأ السعي بالصفا، فيرقاه أو يقف عنده، والرقي على الصفا أفضل إن تيسر، ويقرأ عند ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ...﴾ [البقرة: 158].
ويستحب أن يستقبل القبلة، فيحمد الله، ويكبره، ويقول: «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»(60).
ثم يدعو بما تيسر رافعًا يديه، ويكرر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات، ثم ينزل، فيمشي إلى المروة، حتى يصل إلى العَلَم الأول، فيسرع الرجل المشي إلى أن يصل إلى العَلَم الثاني، وأما المرأة فلا يشرع لها الإسراع بين العَلَمين؛ لأنها عورة، وإنما المشروع لها المشي في السعي كله، ثم يمشي، فيرقى المروة أو يقف عندها، والرقي عليها أفضل إن تيسر ذلك، يقول ويفعل على المروة كما قال وفعل على الصفا، ما عدا قراءة الآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ...﴾ [البقرة: 158]، فهذا إنما يشرع عند الصعود إلى الصفا في الشوط الأول فقط، ثم ينزل، فيمشي في موضع مشيه، ويسرع في موضع الإسراع، حتى يصل إلى الصفا، يفعل ذلك سبع مرات، ذهابه شوط ورجوعه شوط.
ويستحب أن يكثر في سعيه من الذكر والدعاء بما تيسر، وأن يكون متطهرًا من الحدث الأكبر والأصغر، ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك، وهكذا لو حاضت المرأة أو نفست بعد الطواف؛ سعت، وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطًا في السعي، وإنما هي مستحبة فيه.
فإذا أكمل السعي؛ حلق رأسه أو قصره، والحلق للرجل أفضل.
وبهذا يكون قد أكمل مناسك العمرة.
الحج
أ- أركان الحج:
1- الإحرام.
2- الوقوف بعرفة.
3- طواف الإفاضة.
4-السعي.
ب- واجبات الحج:
1- الإحرام من الميقات.
2- الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة إلى غروب الشمس لمن وقف بها نهارًا.
3- المبيت بمزدلفة ليلة العاشر من ذي الحجة إلى نصف الليل.
4- المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
5- رمي الجمار.
6- الحلق أو التقصير.
7- طواف الوداع.
صفة الحج:
أن يلبي المسلم بالحج إذا وصل الميقات مفردًا إذا كان الوقت ضيقًا، فإذا قَدِم مكة طاف وسعى، وبقي على إحرامه حتى يتوجه إلى عرفات يوم عرفة يوم التاسع، ويبقى فيها إلى غروب الشمس، ثم ينصرف منها ملبيًا إلى مزدلفة، فيقيم بها حتى يصلي الفجر، ثم يبقى بها يذكر الله ويلبي ويدعو حتى يُسْفر، فإذا أسفر انصرف إلى منى قبل طلوع الشمس، فيرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم يحلق أو يقصر، والحلق أفضل، ثم يطوف طواف الإفاضة، ويكفيه السعي الأول، وبذلك تم حجه، وحصل له التحلل كاملًا.
ويبقى عليه رمي الجمار في اليوم الحادي عشر والثاني عشر، إن كان متعجلًا؛ فيرمي الجمار الثلاث، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، يبدأ بالصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة وهي الأخيرة، كل جمرة يرميها بسبع حصيات، وإن أراد التأخر بعد الثاني عشر؛ رمى في اليوم الثالث عشر كصفة رميه في اليوم الثاني عشر واليوم الحادي عشر.
ووقت الرمي: بعد الزوال في الأيام الثلاثة.
وإن نفر في اليوم الثاني عشر قبل غروب الشمس فلا بأس، وإن جلس حتى يرمي في اليوم الثالث عشر بعد الزوال فهذا أفضل، لقوله تعالى: ﴿...فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ...﴾ [البقرة: 203].
وإن أراد السفر؛ طاف للوداع سبعة أشواط من دون سعي.
والأفضل إذا كان ليس معه هدي: أن يحرم بعمرة متمتعًا، ثم يلبي بالحج يوم الثامن، ويفعل ما تقدم من أفعال الحج، وإن أحرم بالحج والعمرة جميعًا فلا بأس، ويسمى قِرانًا، وهو أن يحرم بالعمرة والحج معًا بطواف وسعي واحد.
***
الفصل الثالث
ما يتعلق بالمعاملات
بيَّن العلماء رحمهم الله تعالى العلم الواجب تعلمه وجوبًا عينيًّا، وتكلموا في المقدار الذي هو فرض عين على كل مسلم تعلمه، وذكروا منه: تعلم أحكام البيوع لمن يعمل بالتجارة، حتى لا يقع في الحرام أو الربا وهو لا يدري، وقد ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ما يؤيد ذلك.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لَا يَبِـعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَن قَد تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ»(61).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «مَنِ اتَّجَرَ قَبلَ أَن يَتَفَقَّهَ؛ ارتَطَمَ فِي الرِّبَا، ثُمَّ ارْتَطَمَ، ثُمَّ ارْتَطَمَ. أَي: وَقَعَ فِي الرِّبَا»(62).
وقال ابن عابدين نقلاً عن العلامي: «وفُرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية، تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب، والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار، ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات، وكذا أهل الحِرَف، وكل من اشتغل بشيء يُفرض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه» (63).
وقال النووي رحمه الله تعالى: «وأما البيع والنكاح وشِبْهُهُما مما لا يجب أصله فيَحرم الإقدام عليه إلا بعد معرفة شرطه» (64).
وهذه بعض القواعد المتعلقة بالمعاملات المالية، والتي جاءت بها الشريعة الإسلامية:
1- إباحة كل ما فيه مصلحة محضة أو راجحة؛ كبيع المباحات وشرائها والإجارة والشفعة(65).
2- مشروعية كل ما فيه ضمان لحقوق الناس وحفظها؛ كالرهن والإشهاد.
3- مشروعية كل ما فيه مصلحة المتعاقدين؛ كالإقالة والخيار والشروط في البيع.
4- منع كل ما يتضمن ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل؛ كالربا والغصب والاحتكار.
5- مشروعية كل ما فيه تعاون على الخير؛ كالقرض والعارية والوديعة.
6- منع كل ما يتضمن أكل المال بغير عمل ولا نفع ولا تعب؛ كالقمار والربا.
7- منع كل معاملة يغلب فيها الجهالة والغرر؛ كبيع الشخص ما لا يملكه وبيع المجهول.
8- منع كل ما فيه حيلة على الحرام؛ كبيع العِينة(66).
9- منع ما يشغل عن طاعة الله؛ كالبيع بعد نداء الجمعة الثاني.
10- منع كل ما فيه ضرر، أو يسبب العداوة بين المسلمين؛ كبيع المحرمات، وبيع الرجل على بيع أخيه.
وعندما يُشْكِلُ على المسلم حكم مسألة من المسائل؛ فإنه يسأل العلماء عنها، ولا يُقْدِمُ عليها إلا بعد معرفة الحكم الشرعي فيها، كما قال تعالى: ﴿...فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
هذا ما تيسر جَمعُهُ، والله المسؤول أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
***
الفهرس
الفصل الأول: ما يتعلق بالعقيدة 3
المبحث الأول: معنى الإسلام وأركانه: 3
أهمية التوحيد 4
معنى «شهادة أن لا إله إلا الله» 5
وأما شروط (لا إله إلا الله) فهي: 6
معنى شهادة أن محمدًا رسول الله 7
المبحث الثاني: معنى الإيمان وأركانه: 9
1) الإيمان بالله تعالى 10
1- الإيمان بربوبيته: 10
2- الإيمان بألوهيته: 11
3- الإيمان بالأسماء والصفات: 13
أقسام الشرك ثلاثة: 14
أنواع الكفر: 17
النوع الأول: الكفر الأكبر: 17
النوع الثاني: الشرك الأصغر: 19
2) الإيمان بالملائكة 20
3) الإيمان بالكتب 21
4) الإيمان بالرسل عليهم السلام 22
5) الإيمان باليوم الآخر 23
أ- الإيمان بالبعث: 24
ب- الإيمان بالحساب والجزاء: 24
ج- الإيمان بالجنة والنار: 24
6) الإيمان بالقدر خيره وشره 25
المبحث الثالث: الإحسان: 27
المبحث الرابع: نبذة مختصرة من أصول أهل السنة والجماعة: 28
الفصل الثاني: ما يتعلق بالعبادات 30
المبحث الأول: الطهارة: 30
أولًا: أقسام المياه: 30
ثانيًا: النجاسة: 31
ثالثًا: ما يَحرُمُ على المُحْدِثِ عملُه: 34
رابعًا: آداب قضاء الحاجة: 36
خامسًا: أحكام الاستنجاء والاستجمار: 37
سادسًا: أحكام الوضوء: 38
شروط الوضوء: 38
فروض الوضوء: 39
صفة الوضوء: 40
نواقض الوضوء: 41
سابعًا: أحكام المسح على الخفين والجوربين: 41
شروط المسح عليهما: 41
مدة المسح: 42
كيفية المسح: 42
مبطلات المسح: 42
حكم المسح على الخفين: 43
حكم المسح عليها: 43
كيفية المسح عليها: 43
ثامنًا: أحكام التيمم: 44
حكمه: 44
الحِكمة من مشروعيته: 44
الحالات التي يشرع فيه التيمم: 44
صفة التيمم: 45
مبطلات التيمم: 45
حكم العاجز عن استعمال الماء والتيمم: 46
تاسعًا: أحكام الحيض والنفاس: 46
أولًا: الحيض: 46
أحكام الحائض: 47
ثانيًا: النفاس: 48
المبحث الثاني: الصلاة: 49
أولاً: أحكام الأذان والإقامة: 49
شروط الأذان: 49
سنن الأذان: 50
ألفاظ الأذان: 50
ثانيًا: مكانة الصلاة وفضلها: 53
ثالثًا: شروط الصلاة: 55
أ. دخول وقتها: 55
ب. ستر العورة:....................................................... 55
ج. اجتناب النجاسة:.................................................. 56
د. استقبال القبلة:..................................................... 56
هـ. النية:.............................................................. 56
رابعًا: أركان الصلاة: 57
الركن الأول: القيام مع القدرة: 57
الركن الثاني: تكبيرة الإحرام في أولها: 58
الركن الثالث: قراءة الفاتحة: 58
الركن الرابع: الركوع في كل ركعة: 58
الركنان الخامس والسادس: 58
الركن السابع: السجود على الأعضاء السبعة: 59
الركن الثامن: الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين: 59
الركن التاسع: الطمأنينة في جميع الأركان: 59
الركنان: العاشر والحادي عشر: 60
الركن الثاني عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير: 60
الركن الثالث عشر: الترتيب بين الأركان: 60
الركن الرابع عشر: التسليم: 61
خامسًا: واجبات الصلاة: 61
سادسًا: سنن الصلاة: 62
أولًا: سنن قولية: 62
ثانيًا: سنن فعلية: 64
سابعًا: صفة الصلاة: 65
ثامنًا: مكروهات الصلاة: 69
تاسعًا: مبطلات الصلاة: 70
عاشرًا: سجود السهو: 71
الأسباب التي يشرع لها سجود السهو 71
الحادي عشر: أوقات النهي عن الصلاة: 73
الصلوات التي يجوز فعلها في أوقات النهي: 73
الثاني عشر: صلاة الجماعة: 74
1-حكم صلاة الجماعة:.............................................. 74
2-ما تُدرَك به الجماعة:............................................... 75
3-ما تُدرك به الركعة:................................................. 76
4- الأعذار التي تبيح للإنسان ترك صلاة الجماعة:.................... 76
الثالث عشر: صلاة الخوف: 77
صفة صلاة الخوف: 77
الرابع عشر: صلاة الجمعة: 78
أولًا: حكمها: 78
ثانيًا: شروط صحة صلاة الجمعة: 79
ثالثًا: أركان خطبتي الجمعة: 80
رابعًا: مستحبات خطبتي الجمعة: 80
خامسًا: مستحبات يوم الجمعة: 80
سادسًا: ما يُنهى عنه من حضر الجمعة: 81
إدراك الجمعة: 82
الخامس عشر: صلاة أهل الأعذار: 82
أولًا: صلاة المريض: 82
ثانيًا: صلاة المسافر: 84
السادس عشر: صلاة العيدين: 86
حكم صلاة العيدين: 86
صفة صلاة العيدين: 87
سنن العيد: 87
التكبير: 88
السابع عشر: صلاة الكسوف: 89
معنى الخسوف والكسوف: 89
حكم صلاة الكسوف: 89
وقتها: 89
صفتها: 90
سننها: 90
الثامن عشر: صلاة الاستسقاء: 91
وقت مشروعية صلاة الاستسقاء: 91
حكم صلاة الاستسقاء: 92
صفة صلاة الاستسقاء: 92
التاسع عشر: أحكام الجنائز: 93
أولًا: لمن حضر المحتضِر: 93
ثانيًا: أحكام الصلاة على الميت: 93
شروطها: 93
أركانها: 94
سننها: 95
صفتها: 95
المبحث الثالث: الزكاة: 97
1- تعريف الزكاة ومكانتها: 97
2- شروط وجوب الزكاة: 98
3- الأموال التي تجب فيها الزكاة: 99
أولًا: بهيمة الأنعام: 99
4- أنصبة بهيمة الأنعام: 99
ثانيًا: زكاة الخارج من الأرض: 101
النوع الأول: الحبوب والثمار: 102
شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار: 102
وقت وجوب زكاتها: 103
النوع الثاني: المعادن: 104
وقت وجوب الزكاة فيها: 104
ثالثًا: زكاة الأثمان: 104
نصاب الزكاة في الأثمان، ومقدار الواجب فيها: 105
رابعًا: زكاة عروض التجارة: 106
شروط وجوب زكاة عروض التجارة: 106
خامسًا: زكاة الفطر: 107
حكمها: 107
الحكمة من مشروعيتها: 108
وقت وجوبها وإخراجها: 108
مقدارها وما تُخرَج منه: 108
إخراج الزكاة ومصارفها: 109
وقت إخراجها: 109
مكان إخراجها: 109
أهل الزكاة 110
الصنف الأول: الفقراء: 110
الصنف الثاني: المساكين: 110
الصنف الثالث: العاملون عليها: 111
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم: 111
الصنف الخامس: الرّقاب: 111
الصنف السادس: الغارمون، وهم نوعان: 112
الصنف السابع: في سبيل الله: 112
الصنف الثامن: ابن السبيل: 112
المبحث الرابع: الصوم: 113
شروط وجوب صيام رمضان: 113
النية في الصيام: 115
مفسدات الصوم: 115
من يباح لهم الفطر في رمضان: 117
صوم التطوع لمن عليه قضاء: 119
ما يَحرُمُ صومه: 120
ما يُكره صومه: 120
ما يُسنُّ صومه: 121
صيام التطوع: 121
المبحث الخامس: الحج والعمرة 123
شروط وجوب الحج والعمرة: 124
مواقيت الإحرام: 126
الإحرام: 128
مستحبات الإحرام: 128
أنواع النسك: 128
محظورات الإحرام: 130
العمرة: 132
أ- أركان العمرة: 132
ب- واجبات العمرة: 133
ج- صفة العمرة: 133
الحج: 137
أ- أركان الحج: 137
صفة الحج: 138
الفصل الثالث: ما يتعلق بالمعاملات 140
***
() أخرجه أحمد في مسنده، برقم (6072)، والترمذي برقم (1535) وقال: حديث حسن.
() أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (716)، وأحمد في المسند برقم (19606)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (1/ 150)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (3731).
() أخرجه مسلم برقم (121)، وأحمد في المسند برقم (10434).
() (المَذْي): ماء رقيق لا لون له يخرج عند المداعبة أو تذكر الجماع أو إرادته أو النظر أو غير ذلك ويخرج على شكل قطرات وربما لا يحس بخروجه. (الوَدْي): هو الماء الثخين الأبيض الذي يخرج في أثر البول، أو عند حمل شيء ثقيل.
() أخرجه مسلم برقم (224).
() أخرجه مالك في الموطأ برقم (680 و 219)، والدارمي برقم (312) وعبدالرزاق في مصنفه برقم (1328)، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم (122).
() أخرجه النسائي برقم (12808)، وأحمد برقم (15423)، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم (121).
() أخرجه ابن ماجه برقم (594)، وابن حبان برقم (799)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي برقم (146).
() أخرجه البخاري برقم (١٤٢)، ومسلم برقم (١٢٢).
() أخرجه البخاري برقم (7288)، ومسلم برقم (6066).
() قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجموع فتاويه (29/ 141): (زاد البيهقي بسند جيد عن جابر بعد قوله: «الذي وعدته»: «إنك لا تخلف الميعاد»).
() أخرجه الترمذي، برقم (2635).
() أخرجه مسلم برقم (82).
() أخرجه الترمذي برقم (265)، وقال: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
() أخرجه البخاري برقم (1117).
() أخرجه البخاري برقم (6251)، ومسلم برقم (884).
() أخرجه البخاري برقم (756)، ومسلم برقم (872).
() أخرجه البخاري برقم (793)، ومسلم برقم (398).
() أخرجه البخاري برقم (812)، ومسلم برقم (490).
() أخرجه مسلم (498).
() أخرجه البخاري برقم (724)، ومسلم برقم (398).
() أخرجه البخاري (797)، ومسلم (402).
() أخرجه الترمذي، برقم (839).
() أخرجه البخاري برقم (6008).
() أخرجه البخاري برقم (1110).
() أخرجه البخاري، برقم (835).
() أخرجه البخاري، برقم (743)، ومسلم، برقم (399).
() أخرجه الترمذي، برقم (266).
() أخرجه مسلم، برقم (588).
() أخرجه أبو داود، برقم (5168).
() أخرجه الترمذي، برقم (284).
() أخرجه مسلم برقم (1484).
() أخرجه البخاري برقم (609)، ومسلم برقم (602).
() أخرجه البخاري برقم (4130)، ومسلم برقم (842).
() أخرجه مسلم برقم (865).
() أخرجه البخاري برقم (934)، ومسلم برقم (851).
() أخرجه البخاري برقم (1081)، ومسلم برقم (693).
() أخرجه البخاري برقم (1012)، ومسلم برقم (894).
() أخرجه أبوداود برقم (3201)، والترمذي برقم (1024)، وقال: حديث حسن صحيح.
() أخرجه مسلم برقم (962).
() أخرجه البخاري برقم (8)، ومسلم برقم (111).
() أخرجه ابن ماجه برقم (1792)، والترمذي برقم (63) و(631).
() أخرجه البخاري برقم (1402)، ومسلم برقم (2287).
() أخرجه البخاري برقم (1432)، ومسلم برقم (984).
() أخرجه أبوداود برقم (1609)، وابن ماجه برقم (1827)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (1609).
() أخرجه البخاري برقم (1)، ومسلم برقم (1907).
() أخرجه البخاري برقم (1810)، ومسلم برقم (1086).
() أخرجه البخاري برقم (1909).
() أخرجه أحمد برقم (26457)، وأبو داود برقم (2454)، والنسائي برقم (2331) وهذا لفظه.
() أخرجه البخاري برقم (6669)، ومسلم برقم (2709).
() أخرجه أبو داود برقم (2380)، والترمذي برقم (719)، وابن ماجه برقم (676).
() أخرجه البخاري برقم (1849)، ومسلم برقم (1846).
() أخرجه مسلم برقم (1134).
() أخرجه أحمد برقم (25198)، والنسائي برقم (2627)، وابن ماجه برقم (2901).
() أخرجه البخاري برقم (1862)، ومسلم برقم (1341).
() أخرجه البخاري برقم (1531).
() أخرجه مسلم برقم (1211).
() أخرجه البخاري، برقم (1549).
() أخرجه مسلم، برقم (1218).
() أخرجه الترمذي برقم (487)، وقال: حسن غريب، وحسنه الألباني.
() ينظر: مغني المحتاج (2/22).
() حاشية ابن عابدين (1/ 42).
() ينظر: المجموع (1/ 50).
() الشُّفْعَةُ: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي.
() بيع العِينة: هو أن يبيع الإنسان غيره شيئًا بثمن مؤجل، ويُسَلِّمَه إليه، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدًا.
() أخرجه البخاري برقم (8).