العَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ
وَمَا يُضَادُّهَا
لِسَمَاحَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ
رَحِمَهُ اللهُ
الرسالة الأولى: العَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ وَمَا يُضَادُّهَا
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإنه لما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام، وأساس الملة، فلقد رأيت أن من المهم الحديث عن هذا الموضوع، والكتابة والتأليف في بيانه وتوضيحه.
ومن المعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة: أن الأعمال والأقوال إنما تَصِح وتُقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، أما إن كانت العقيدة غير صحيحة فإنه يبطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال، كما قال تعالى: ﴿...وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 5].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65﴾ [الزمر: 65].
والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد دَلَّ كتاب اللّه المبين وسُنَّة رسوله الأمين، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم؛ على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في ستة أمور، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرِّه. فهذه الأمور الستة هي: أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام،
وقد جاءت الأدلة متكاثرة على هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة الصحيحة، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:
أولاً: الأدلة من الكتاب؛ منها: قول الله عز وجل: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [البقرة: 177].
وقوله سبحـــانه وتعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِ...﴾ [البقرة: 285]،
وقوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا 136﴾ [النساء: 136]، وقوله سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 70﴾ [الحج: 70].
ثانيًا: الأدلة من السنة؛ منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال له: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (1). الحديث، وأخرجه الشيخان - مع اختلاف يسير- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه(2).
ويتفرع عن هذه الأصول الستة: كل ما يجب على المسلم اعتقاده، والإيمان به في حق الله عز وجل، وفي أمر المعاد، وغير ذلك من أمور الغيب؛ مما أخبر به الله عز وجل، ورسوله ﷺ.
وبيان هذه الأصول الستة كما يلي:
الأصل الأول: الإيمان بالله تعالى
وهو يتضمن عدة أمور؛ منها: الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه؛ لكونه خالق العباد، والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم.
وقد خلق الله الثقلين؛ لأجل هذه العبادة، وأمرهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ 57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ 58﴾ [الذاريات: 56-58].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 21 ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 22﴾ [البقرة: 21-22].
وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب: لبيان هذا الحق، والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36].
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ 25﴾ [الأنبياء: 25].
وقال عز وجل: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1 أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ2﴾ [هود: 1-2].
وحقيقة هذه العبادة: هي إفراد الله سبحانه وتعالى بجميع ما تعبد به العباد؛ من دعاءٍ، وخوف، ورجاء، وصلاة، وصوم، وذبح، ونذر، وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، مع كمال الحب له، والذل لعظمته.
ومن تأمل في القرآن الكريم: وجد أن غالبه نزل في هذا الأصل العظيم؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ 2 أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ3﴾ [الزمر: 2-3].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ...﴾ [الإسراء: 23].
وقوله عز وجل: ﴿فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ14﴾ [غافر: 14].
وهكذا من تأمل السنة النبوية وجد الاهتمام بهذا الأصل الكبير أيضًا، ومن ذلك: ما روي في الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَن يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» (3).
ويدخل في الإيمان بالله أيضًا: الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده، وفرضه عليهم؛ من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة.
وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر.
وأهم هذه الأركان وأعظمها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذه الشهادة تقتضي: إخلاص العبادة لله وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله، فمعناها -كما قال العلماء رحمهم الله: لا معبود بحق إلا الله، وبناء على ذلك: فإن كل ما عبد من دون الله -من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك- فهو معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ...﴾ [الحج: 62].
وقد سبق بيان: أن الله سبحانه وتعالى خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل، وأمرهم به، وأرسل به رسله، وأنزل به كتبه؛ فعلى العبد أن يتأمل ذلك جيدًا، ويتدبره كثيرًا؛ ليتضح له ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل؛ حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.
ومن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شؤونهم والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه، وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعًا لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لإصلاح العباد، ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ 62﴾ [الزمر: 62].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ54﴾ [الأعراف: 54].
ومن الإيمان بالله تعالى أيضًا: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلا في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فيجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف للّه عز وجل، ووجوب وصفه تعالى بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: وقال –عز وجل- ﴿فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ74﴾ [النحل: 74].
فهذه هي: عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان؛ في أسماء الله وصفاته، وهي التي نقلها الإمام: أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب " المقالات" عن أصحاب الحديث وأهل السنة، ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان.
قال الأوزاعي رحمه الله: "سُئِلَ الزُّهْرِيُ وَمَكْحُولُ عَن آيَاتِ الصِّفَاتِ، فَقَالَا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" (4).
وقال الأوزاعي أيضًا رحمه الله: "كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونَ نَقُولُ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ عَلَى عَرْشِهِ وَنُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنَ الصِّفَاتِ" (5).
وقال الوليد بن مسلم رحمه الله: "سُئِلَ مَالِكٌ، وَالأَوزَاعِيُّ، وَاللَّيثُ بنِ سَعدٍ، وَسُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ عَنِ الأَخْبَارِ الوَارِدَةِ فِي الصِّفَاتِ، فَقَالُوا جَمِيعًا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ" (6).
ولما سئل ربيعه بن أبي عبد الرحمن -شيخ مالك رحمة الله عليهما- عن الاستواء قال: "الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ البَلَاغُ المُبِينُ، وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ"(7)، ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك قال: "الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالكَيفُ مَجْهُولٌ وَالإِيْمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ" ثم قال للسائل: "ما أراك إلَّا رجل سوء! وأمر به فأخرج" (8)، وقد روي هذا المعنى أيضًا عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها (9).
وقال الإمام أبو عبد الرحمن بن المبارك رحمة الله عليه: "نَعرِفُ رَبَّنَا سُبحَانَهُ بِأَنَّه فَوقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ"(10).
وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدًا لا يمكن نقله في هذه المحاضرة، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنّة في هذا الباب مثل كتاب " السنة " لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتاب " التوحيد " للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب " السنَّة " لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب " السنَّة " لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه رحمه الله عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم، والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنّة، وبطلان ما قاله خصومهم.
وهكذا رسالته الموسومة بالتدمرية؛ قد بسط فيها المقام، وبيَّن فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق، ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم؛ بقصد صالح، ورغبة في معرفة الحق. فملخص: عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات؛ في أنهم أثبتوا لله سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ في سنّته، إثباتًا بلا تمثيل، ونزَّهوه سبحانه وتعالى عن مشابهة خلقه تنزيهًا بريئًا من التعطيل؛ ففازوا بالسلامة من التناقض، وعملوا بالأدلة كلها؛ توفيقًا من الله؛ لأن من سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله، وبذل في ذلك وسعه، وأخلص لله في طلبه؛ أن يوفقه للحق ويظهر حجته، كما قال تعالى: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞ...﴾ [الأنبياء: 18].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا33﴾ [الفرقان: 33].
وأما من خالف أهل السنّة: فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات؛ فإنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلَّة النقلية والعقلية؛ مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور كلامًا حسنًا في هذا الموضوع، وذلك عند كلامه على قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ...﴾ [الأعراف: 54].
ويحسن نقله ها هنا؛ لعظم فائدته؛ فقال رحمه الله ما نصه: "للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر في أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبه شيء من خلقه و ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾، [الشورى: 11]. بل الأمر كما قال الأئمة، -منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: (مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ كَفَرَ، وَمَنْ جَحَدَ مِمَّا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدَ كَفَرَ) (11)، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبتَ لله تعالى مما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة؛ على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص؛ فقد سلك سبيل الهدى. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله (12).
ويدخل في الإيمان بالله أيضًا: اعتقاد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر؛ كالزنا، والسرقة، وأكل الربا، وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين، وغير ذلك من الكبائر ما لم يستحل ذلك، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ...﴾ [النساء: 48]. ولما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ منها: قوله: «إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ» (13).
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
وهو يتضمن أمرين: الأمر الأول: الإيمان بالملائكة إجمالًا؛ وذلك بأن نؤمن بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته ووصفهم بأنهم: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ 26 لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ27 يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ28﴾ [الأنبياء: 26-28].
وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكَّلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد. الأمر الثاني: الإيمان بالملائكة على سبيل التفصيل؛ وذلك بأن نؤمن بمن سمى الله ورسوله منهم؛ كجبريل الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالقطر، ومالك خازن النار. وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور. كما جاء ذكرهم في أحاديث صحيحة، منها: ما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «خُلِقَتِ الـمَلَائِكَةُ مِن نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم»(14) خرجه مسلم في صحيحه.
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
وهو يتضمن أيضاً أمرين: الأمر الأول: الإيمان بالكتب إجمالًا؛ وذلك بأن الله أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله؛ لبيان حقه، والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ...﴾ [الحديد: 25]. وقال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ...﴾ [البقرة: 213].
الأمر الثاني: الإيمان بالكتب على سبيل التفصيل؛ وذلك بأن نؤمن بما سمى الله منها؛ كالتوراة، والإنجيل والزبور والقرآن، ونعتقد أن القرآن هو أفضلها وخاتمها، والمهيمن عليها، والمصدق لها، وأنه هو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه؛ مع ما صحت به السنّة عن رسول الله ﷺ؛ لأن الله سبحانه بعث رسوله محمدًا ﷺ رسولًا إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن؛ ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور، وتبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ155﴾ [الأنعام: 155]. وقال سبحانه: ﴿...وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل: 89]. وقال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ158﴾ [الأعراف: 158]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل
وهو يتضمن كذلك أمرين: الأمر الأول: الإيمان بالرسل إجمالًا؛ وذلك بأن نؤمن أن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى عباده رسلًا منهم مبشرين ومنذرين، ودعاة إلى الحق؛ فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36]. وقال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِ...﴾ [النساء: 165]. وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [الأحزاب: 40].
الأمر الثاني: الإيمان بالرسل على سبيل التفصيل؛ وذلك بأن نؤمن على سبيل التفصيل والتعيين بمن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله ﷺ تسميته؛ كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم، صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم.
الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر
وهو يتضمن:
الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما يكون بعد الموت؛ كفتنة القبر، وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال، والشدائد، والصراط، والميزان، والحساب، والجزاء، ونشر الصحف بين الناس؛ فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره.
ويدخل فيه أيضًا: الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد ﷺ والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى، وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنّة الصحيحة عن رسول الله ﷺ؛ فيجب على العبد الإيمان بذلك كله، وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله ﷺ.
الأصل السادس: الإيمان بالقدر
ويتضمن الإيمان بأمور أربعة:
الأمر الأول: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى قد علم ما كان وما يكون، وعلم أحوال عباده، وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وغير ذلك من شئونهم، فلا يخفى عليه سبحانه وتعالى شيء من ذلك، كما قال سبحانه: ﴿...وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 231]. وقال عز وجل: ﴿...لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا﴾ [الطلاق: 12].
الأمر الثاني: الإيمان بأن الله قد كتب كل ما قدره وقضاه؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ 4﴾ [ق: 4]. وقال تعالى: ﴿...وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ﴾ [يس: 12]. وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ70﴾ [الحج: 70].
الأمر الثالث: الإيمان بمشيئة الله تعالى النافذة؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: 18]. وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ82﴾ [يس: 82]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ29﴾ [التكوير: 29].
الأمر الرابع: الإيمان بخلق الله تعالى لجميع الموجودات؛ فلا خالق غيره، ولا رب سواه؛ كما قال سبحانه: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ62﴾ [الزمر:62]. وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ3﴾ [فاطر: 3].
فالإيمان بالقدر: يشمل الإيمان بهذه الأمور الأربعة كلها، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ خلافًا لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع.
ومن الأمور المهمة في العقيدة الصحيحة التي يعتقدها أهل السنة: الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، وهذه هي: عقيدة الولاء والبراء، وهي من الإيمان بالله تعالى.
فالمؤمن يحب المؤمنين ويواليهم، ويبغض الكفار ويعاديهم، وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ، -كما هو متقرر عند أهل السنة والجماعة-؛ فهم يحبونهم ويوالونهم، ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء، لقول النبي ﷺ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»(15) متفق على صحته، ويعتقدون أن أفضلهم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين، ثم بعدهم بقية العشرة، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ويمسكون عما شجر بينهم -أي: الصحابة-، ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون، من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ المؤمنين به ويتولونهم، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويترضون عنهن جميعا. ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم، ويغلون في أهل البيت، ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل، كما يتبرءون من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
فهذا الذي ذكرناه: كله داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدًا ﷺ، وهي العقيدة التي يجب اعتقادها، والتمسك بها، والاستقامة عليها، والحذر مما يخالفها، وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، التي قال فيها النبي ﷺ: «لَا تَـزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»(16)، وفي رواية: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ»(17)، وقال عليه الصلاة والسلام: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ الصَّحَابَةُ: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(18).
العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة
المنحرفون عن هذه العقيدة، والسائرون على ضدها؛ هم أصناف كثيرة؛ فمنهم: عباد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها. فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل، بل خالفوهم وعاندوهم، كما فعلت قريش، وأصناف العرب مع نبينا محمد ﷺ؛ فكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات، وشفاء المرضى، والنصر على الأعداء، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، فلمَّا أنكر عليهم رسول ﷺ ذلك، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، استغربوا ذلك وأنكروه، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ5﴾ [ص: 5].
فلم يزل ﷺ يدعوهم إلى الله، وينذرهم من الشرك، ويشرح لهم حقيقة ما يدعون إليه؛ حتى هدى الله منهم من هدى، ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجًا، فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة، وجهاد طويل من رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان. ثم تغّيرت الأحوال، وغلب الجهل على أكثر الخلق؛ فعاد الأكثرون إلى دين الجاهلية، بالغلو في الأنبياء والأولياء، ودعائهم والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أنواع الشرك، ولم يعرفوا معنى: لا إله إلا الله؛ كما عرف معناها كفار العرب، فالله المستعان.
ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلى عصرنا هذا؛ بسبب غلبة الجهل وبُعْدِ العهد بعصر النبوّة.
وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين، وهي قولهم: ﴿...هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ...﴾ [يونس: 18]، وقولهم: ﴿...مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ [الزمر: 3] وقد أبطل الله هذه الشبهة، وبين أن من عبد غيره كائنًا من كان فقد أشرك به وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ...﴾ [يونس: 18]. فرد الله عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ18﴾ [يونس: 18].
فبين تعالى في هذه الآية: أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم هي الشرك الأكبر، وإن سماها فاعلوها بغير ذلك، وقال تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ [الزمر: 3]. ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ [الزمر: 3].
فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء، والخوف، والرجاء، ونحو ذلك؛ كفر به سبحانه، وأكذبهم في قولهم: إن آلهتهم تقربهم إليه زلفى.
ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة، والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام: ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس ولينين، وغيرهما من دعاة الإلحاد والكفر، سواء سموا ذلك اشتراكية أو شيوعية أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء فإن من أصول هؤلاء الملاحدة أنه: لا إله والحياة مادة،
ومن أصولهم: إنكار المعاد، وإنكار الجنة والنار، والكفر بالأديان كلها، ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ذلك يقينًا، ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية، ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة.
ومن تلك العقائد المضادة للحق: ما يعتقده بعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شئون العالم، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث، وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا شرك في الربوبية، وهو من أقبح أنواع الشرك بالله تعالى.
ومن تأمل في شرك المتقدمين من أهل الجاهلية وقارنه بالشرك المنتشر بين المتأخرين؛ وجد أن شرك المتأخرين أعظم وأطم، وبيان ذلك كما يلي: أن كفار العرب في الجاهلية قد تميزوا بأمرين: الأمر الأول: أنهم لم يكونوا يشركون في الربوبية، وإنما كان شركهم في العبادة؛ فقد كانوا معترفين بالربوبية لله عز وجل وحده، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...﴾ [الزخرف: 87]. وقال الله تعالى: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ31﴾ [يونس: 31]. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا.
الأمر الثاني: أن شركهم في العبادة لم يكن دائمًا، وإنما كان يحدث في حال الرخاء، أما في حال الشدة فإنهم كانوا يخلصون لله العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ65﴾ [العنكبوت: 65].
أمّا المشركون المتأخرون، فإنهم زادوا على الأولين من جهتين: الجهة الأولى: شرك بعضهم في الربوبية. الجهة الثانية: شركهم في الرخاء والشدّة، كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم، ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين والبدوي وغيرهما في مصر، وعند قبر العيدروس في عدن، والهادي في اليمن، وابن عربي في الشام، والشيخ عبد القادر الجيلاني في العراق، وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة، وصرفوا لها الكثير من حق اللّه عز وجل، وقلَّ من ينكر عليهم ذلك، ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ، ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات: عقائد أهل البدع من الجهمية، والمعتزلة، ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله عز وجل، وتعطيل ما ذكر لله سبحانه من صفات الكمال، ووصفه عز وجل بصفة المعدومات والجمادات والمستحيلات، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
ويدخل في ذلك: من نفى بعض الصفات وإثبات بعضها؛ كما هو معتقد الأشاعرة، وهؤلاء يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فرُّوا منه في الصفات التي نفوها، وتأولوا أدلتها، فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية، وتناقضوا في ذلك تناقضًا بينًا.
وأمّا أهل السنّة والجماعة: فقد أثبتوا لله سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ من الأسماء والصفات على وجه الكمال، ونزهوه عن مشابهة خلقه، تنزيهًا بريئًا من شائبة التعطيل، فعملوا بالأدلة كلها، ولم يحرِّفوا ولم يعطلوا، وسلموا من التناقض الذي وقع فيه غيرهم- كما سبق بيان ذلك-،
وهذا هو سبيل النجاة، والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها، ولن يصلح آخرهم إلا ما صلح به أولهم، وهو اتباع الكتاب والسنة، وترك ما خالفهما. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردَّ الأمة إلى رشدها، وأن يكثر فيها دعاة الهدى، ويوفق قادتها وعلماءها لمحاربة الشرك، والقضاء عليه، والتحذير من وسائله... إنه سميع قريب. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه.
***
() أخرجه البخاري (50)، ومسلم (9).
() أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (30).
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (735)، وابن عبد البر في جامع العلم وفضله (1801)، ولكن بلفظ الأحاديث بدلاً عن آيات الصفات، ولفظه: "ارووا هذه الأحاديث كما جاءت ولا تناظروا فيها".
() أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (865)، وصحح إسناده ابن تيمية في الحموية (ص: 269)، وقال الذهبي في العرض (2/223): رواته أئمة ثقات.
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (930)، والبيهقي في الأسماء والصفات (955).
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (665)، والبيهقي في الأسماء والصفات (868).
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (664)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (325/6)، والبيهقي في الأسماء والصفات (867).
() أخرجه المزكي في المزكيات (29)، وابن بطة في الابانة (120)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (663).
() أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (67)، والبيهقي في الأسماء والصفات (903).
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (936) وابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 163) والذهبي في العلو (464)، وقال في سير أعلام النبلاء (13/ 299): (وما أحسن قول نعيم بن حماد، الذي سمعناه بأصح إسناد)، وقال الألباني في مختصر العلو (ص: 184): وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات معروفون.
() تفسير ابن كثير (427،426/3).
() أخرجه البخاري (22)، ومسلم (184)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
() أخرجه مسلم (2996)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
() أخرجه البخاري (3651)، ومسلم (2533)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
() أخرجه مسلم (1920)، من حديث ثوبان رضي الله عنه، وبمعناه رواه البخاري (7311) ومسلم (1921)، من حديث المغيرة رضي الله عنه.
() أخرجه ابن ماجه (3952)، من حديث ثوبان رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (6714)، وأصله دون محل الشاهد في صحيح مسلم (2889).
() أخرجه أبو داود (4596) والترمذي (2640) وابن ماجه (3991)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الترمذي وابن حبان (6247) والحاكم (10، 441)، وجاء عن صحابة آخرين مرفوعًا أيضًا، وقال ابن تيمية عن متنه: الحديث صحيح مشهور. مجموع الفتاوى (3/ 345).
() أخرجه مسلم (8).