ثَلَاثَةُ الأُصُولِ وَأَدِلَّتُهَا
للشيخ محمد التميمي رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَعِ مَسَائِلَ:
الأُولَى: العِلْمُ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ.
الثَّانِيَةُ: العَمَلُ بِهِ.
الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.
الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿وَٱلۡعَصۡرِ1 إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ2 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ3﴾ [العصر:1-3].
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «لَوْ مَا أنْزَلَ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ، لَكَفَتْهُمْ».
وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ...﴾ [محمد:9]، فَبَدَأَ بِالعِلْمِ» قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ.
اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ ثَلَاثِ هَذِهِ المَسَائِلِ، وَالعَمَلُ بِهِنَّ:
الأُولَى: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا؛ بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا15 فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا16﴾ [المزمل:15-16].
الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ، لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجن: 18].
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللَّهَ، لَا يَجُوزُ لَهُ مُوَالَاةُ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ22﴾ [المجادلة: 22].
اعْلَمْ - أَرْشَدَكَ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ -: أَنَّ الحَنِيفِيَّةَ - مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ -: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56]، وَمَعْنَى "يَعْبُدُونِ": يُوَحِّدُونِ.
وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: التَّوْحِيدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ.
وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ: الشِّرْكُ، وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗا...﴾ [النساء: 36].
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟
فَقُلْ: مَعْرِفَةُ العَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
***
[الأَصْلُ الأَوَّلُ]
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ2﴾ [الفاتحة: 2]. وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العَالَمِ.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ.
وَمِنْ آيَاتِهِ: اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ، وَالقَمَرُ.
وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ: السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ37﴾ [فصلت: 37].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ54﴾ [الأعراف: 54].
وَالرَّبُّ هُوَ المَعْبُودُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ21 ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ22﴾ [البقرة: 21-22].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ، هُوَ المُسْتَحِقُ لِلْعِبَادَةِ».
وَأَنْوَاعُ العِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا: - مِثْلُ: الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ؛ وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ، وَالخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالخُشُوعُ، وَالخَشْيَةُ، وَالإِنابَةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ، وَالِاسْتِعَاذَةُ، وَالِاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا - كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجن: 18].
فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ117﴾ [المؤمنون: 117].
وَفِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ».
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ60﴾ [غافر: 60].
وَدَلِيلُ الخَوْفِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
وَدَلِيلُ التَّوَكُّلِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]، وَقَوْلُهُ: ﴿...وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ...﴾ [الطلاق: 3].
وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالخُشُوعِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
وَدَلِيلُ الخَشْيَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِ...﴾ [المائدة: 3].
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُ...﴾ [الزمر: 54].
وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ5﴾ [الفاتحة: 5]، وَفِي الحَدِيثِ: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ».
وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ1﴾ [الفلق:1]، وَ ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ1﴾ [الناس:1].
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ...﴾ [الأنفال:9].
وَدَلِيلُ الذَّبْحِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ162 لَا شَرِيكَ لَهُۥ...﴾ [الأنعام: 162-163]، وَمِنَ السُّنَّةِ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ».
وَدَلِيلُ النَّذْرِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا7﴾ [الإنسان:7].
[الأَصْلُ الثَّانِي]
مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ، وَهُوَ: الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الإِسْلَامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ.
وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ.
فَأَرْكَانُ الإِسْلَامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ.
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ18﴾ [آل عمران:18].
وَمَعْنَاهَا: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ.
"لَا إِلَهَ" نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
"إِلَّا اللَّهُ" مُثْبِتًَا العِبَادَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
لَا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ.
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ 26 إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي...﴾ [الزخرف:26: 27]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ64﴾ [آل عمران:64].
وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ128﴾ [التوبة:128].
وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَلَّا يُعْبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ.
وَدَلِيلُ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَتَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ5﴾ [البينة:5].
وَدَلِيلُ الصِّيَامِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ183﴾ [البقرة:183].
وَدَلِيلُ الحَجِّ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ97﴾ [آل عمران:97].
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ؛ وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.
وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيْرِهِ ،وَشَرِّه.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَّةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [البقرة:177].
وَدَلِيلُ القَدَرِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ49﴾ [القمر:49].
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الإِحْسَانُ -رُكْنٌ وَاحِدٌ-، وَهُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ128﴾ [النحل:128].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ 217 ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ218 وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ219﴾ [الشعراء: 217-219].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِ...﴾ [يونس:61] الآيَةَ.
وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ جِبْرِيلَ المَشْهُورُ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ - فَعَجِبْنَا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ –.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ.
قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».
***
[الأَصْلُ الثَّالِثُ]
مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ العَرَبِ، وَالعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ – عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ-.
وَلَهُ مِنَ العُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُونَ سَنَةً – مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلَاتٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا رَسُولًا.
نُبِّئَ بِاقْرَأْ، وَأُرْسِلَ بِالمُدَّثْرِ، وَبَلَدُهُ مَكَّةُ.
بَعَثَهُ اللَّهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ1 قُمۡ فَأَنذِرۡ2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ4 وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ5 وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ6 وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ7﴾ [المدثر: 1- 7].
وَمَعْنَى ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ﴾ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ.
﴿وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ﴾ الرُّجْزُ: الأَصْنَامُ. وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا.
أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ العَشْرِ؛ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بِالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ.
وَالهِجْرَةُ: الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلَامِ.
وَالهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلَامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا97 إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا98﴾ [النساء: 97-98].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ56﴾ [العنكبوت:56].
قَالَ البَغَوِيُّ رحمه الله: «سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: في المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ لَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللَّهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ».
وَالدَّلِيلُ عَلَى الهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ؛ قَوْلُهُ: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالمَدِينَةِ؛ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ - مِثْلُ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ - أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ.
وَتُوُفِّيَ ﷺ وَدِينُهُ بَاقٍ، وَهَذَا دِينُهُ، لَا خَيْرَ إِلَّا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلَا شَرَّ إِلَّا حَذَّرَهَا مِنْهُ.
وَالخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ: التَّوْحِيدُ، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ.
وَالشَّرُّ الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ: الشِّرْكُ، وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَيَأْبَاهُ.
بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ - الجِنِّ وَالإِنْسِ -؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [الأعراف:158].
وَأَكْمَلَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة:3].
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ 30 ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ 31﴾ [الزمر:30-31].
وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ 55﴾ [طه:55]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا 17 ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا 18﴾ [نوح:17-18].
وَبَعْدَ البَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾ [النجم:31].
وَمَنْ كَذَّبَ بِالبَعْثِ كَفَرَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ7﴾ [التغابن:7].
وَأَرْسَلَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ...﴾ [النساء:165].
وَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [الأحزاب:40].
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِ...﴾ [النساء: 163].
وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا رَسُولًا - مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ - يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل:36].
وَافْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ العِبَادِ: الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: «مَعْنَى الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ - مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ».
وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ -لَعَنَهُ اللَّهُ-، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256﴾ [البقرة:256]، وَهَذَا مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَفِي الحَدِيثِ: «رَأْسُ الأَمْرِ: الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ: الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.