حِرَاسَةُ التَّوحِيدِ
لِسَمَاحَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ
رَحِمَهُ اللهُ
الرسالة الأولى
العَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ وَمَا يُضَادُّهَا(1)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإنه لما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام، وأساس الملة، فلقد رأيت أن من المهم الحديث عن هذا الموضوع، والكتابة والتأليف في بيانه وتوضيحه.
ومن المعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة: أن الأعمال والأقوال إنما تَصِح وتُقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، أما إن كانت العقيدة غير صحيحة فإنه يبطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال، كما قال تعالى: ﴿...وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 5].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65﴾ [الزمر: 65].
والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد دَلَّ كتاب اللّه المبين وسُنَّة رسوله الأمين، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم؛ على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في ستة أمور، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدرخيره وشرِّه. فهذه الأمور الستة هي: أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام،
وقد جاءت الأدلة متكاثرة على هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة الصحيحة، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:
أولاً: الأدلة من الكتاب؛ منها: قول الله عز وجل: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [البقرة: 177].
وقوله سبحـــانه وتعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِ...﴾ [البقرة: 285].
وقوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا 136﴾ [النساء: 136]،
وقوله سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 70﴾ [الحج: 70].
ثانيًا: الأدلة من السنة؛ منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﭬ أن جبريل عليه السلام سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال له: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (2). الحديث، وأخرجه الشيخان - مع اختلاف يسير- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ويتفرع عن هذه الأصول الستة: كل ما يجب على المسلم اعتقاده، والإيمان به في حق الله عز وجل، وفي أمر المعاد، وغير ذلك من أمور الغيب؛ مما أخبر به الله عز وجل، ورسوله ﷺ.
وبيان هذه الأصول الستة كما يلي:
الأصل الأول: الإيمان بالله تعالى
وهو يتضمن عدة أمور؛ منها:
الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه؛ لكونه خالق العباد، والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم.
وقد خلق الله الثقلين؛ لأجل هذه العبادة، وأمرهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ 57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ 58﴾ [الذاريات: 56-58].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 21 ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 22﴾ [البقرة: 21-22].
وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب: لبيان هذا الحق، والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36].
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ 25﴾ [الأنبياء: 25].
وقال عز وجل: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1 أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ2﴾ [هود: 1-2].
وحقيقة هذه العبادة: هي إفراد الله سبحانه وتعالى بجميع ما تعبد به العباد؛ من دعاءٍ، وخوف، ورجاء، وصلاة، وصوم، وذبح، ونذر، وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، مع كمال الحب له، والذل لعظمته.
ومن تأمل في القرآن الكريم: وجد أن غالبه نزل في هذا الأصل العظيم؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ 2 أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ3﴾ [الزمر: 2-3].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ...﴾ [الإسراء: 23].
وقوله عز وجل: ﴿فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ14﴾ [غافر: 14].
وهكذا من تأمل السنة النبوية وجد الاهتمام بهذا الأصل الكبير أيضًا، ومن ذلك: ما روي في الصحيحين عن معاذ ﭬ أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَن يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»(3).
ويدخل في الإيمان بالله أيضًا: الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده، وفرضه عليهم؛ من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة.
وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر.
وأهم هذه الأركان وأعظمها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذه الشهادة تقتضي: إخلاص العبادة لله وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله، فمعناها -كما قال العلماء رحمهم الله: لا معبود بحق إلا الله، وبناء على ذلك: فإن كل ما عبد من دون الله -من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك- فهو معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ...﴾ [الحج: 62].
وقد سبق بيان: أن الله سبحانه وتعالى خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل، وأمرهم به، وأرسل به رسله، وأنزل به كتبه؛ فعلى العبد أن يتأمل ذلك جيدًا، ويتدبره كثيرًا؛ ليتضح له ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل؛ حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.
ومن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شؤونهم والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه، وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعًا لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لإصلاح العباد، ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ 62﴾ [الزمر: 62].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ54﴾ [الأعراف: 54].
ومن الإيمان بالله تعالى أيضًا: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلا في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فيجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف للّه عز وجل، ووجوب وصفه تعالى بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: وقال عز وجل ﴿فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ74﴾ [النحل: 74].
فهذه هي: عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان؛ في أسماء الله وصفاته، وهي التي نقلها الإمام: أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب " المقالات" عن أصحاب الحديث وأهل السنة، ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان.
قال الأوزاعي رحمه الله: (سُئِلَ الزُّهْرِيُ وَمَكْحُولُ عَن آيَاتِ الصِّفَاتِ، فَقَالَا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ)(4).
وقال الأوزاعي أيضًا رحمه الله: (كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونَ نَقُولُ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ عَلَى عَرْشِهِ وَنُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنَ الصِّفَاتِ)(5).
وقال الوليد بن مسلم رحمه الله: (سُئِلَ مَالِكٌ، وَالأَوزَاعِيُّ، وَاللَّيثُ بنِ سَعدٍ، وَسُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ عَنِ الأَخْبَارِ الوَارِدَةِ فِي الصِّفَاتِ، فَقَالُوا جَمِيعًا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ)(6).
ولما سئل ربيعه بن أبي عبد الرحمن -شيخ مالك رحمة الله عليهما- عن الاستواء قال: (الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ البَلَاغُ المُبِينُ، وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ)(7)، ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك قال: (الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالكَيفُ مَجْهُولٌ وَالإِيْمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ) ثم قال للسائل: ما أراك إلَّا رجل سوء! وأمر به فأخرج(8). وقد روي هذا المعنى أيضًا عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها(9).
وقال الإمام أبو عبد الرحمن بن المبارك رحمة الله عليه: (نَعرِفُ رَبَّنَا سُبحَانَهُ بِأَنَّه فَوقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ)(10).
وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدًا لا يمكن نقله في هذه المحاضرة، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنّة في هذا الباب مثل كتاب " السنة " لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتاب " التوحيد " للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب " السنَّة " لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب " السنَّة " لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه رحمه الله عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم، والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنّة، وبطلان ما قاله خصومهم.
وهكذا رسالته الموسومة بالتدمرية؛ قد بسط فيها المقام، وبيَّن فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق، ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم؛ بقصد صالح، ورغبة في معرفة الحق. فملخص: عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات؛ في أنهم أثبتوا لله سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ في سنّته، إثباتًا بلا تمثيل، ونزَّهوه سبحانه وتعالى عن مشابهة خلقه تنزيهًا بريئًا من التعطيل؛ ففازوا بالسلامة من التناقض، وعملوا بالأدلة كلها؛ توفيقًا من الله؛ لأن من سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله، وبذل في ذلك وسعه، وأخلص لله في طلبه؛ أن يوفقه للحق ويظهر حجته، كما قال تعالى: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞ...﴾ [الأنبياء: 18].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا33﴾ [الفرقان: 33].
وأما من خالف أهل السنّة: فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات؛ فإنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلَّة النقلية والعقلية؛ مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور كلامًا حسنًا في هذا الموضوع، وذلك عند كلامه على قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ...﴾ [الأعراف: 54].
ويحسن نقله ها هنا؛ لعظم فائدته؛ فقال رحمه الله ما نصه:
(للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر في أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبه شيء من خلقه و ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. بل الأمر كما قال الأئمة، -منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: (مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ كَفَرَ، وَمَنْ جَحَدَ مِمَّا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدَ كَفَرَ)(11)، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبتَ لله تعالى مما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة؛ على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص؛ فقد سلك سبيل الهدى(12). انتهى كلام ابن كثير رحمه الله.
ويدخل في الإيمان بالله أيضًا: اعتقاد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر؛ كالزنا، والسرقة، وأكل الربا، وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين، وغير ذلك من الكبائر ما لم يستحل ذلك، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ...﴾ [النساء: 48]. ولما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ منها: قوله: «إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ»(13).
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
وهو يتضمن أمرين:
الأمر الأول: الإيمان بالملائكة إجمالًا؛ وذلك بأن نؤمن بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته ووصفهم بأنهم: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ 26 لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ27 يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ28﴾ [الأنبياء: 26-28].
وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكَّلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد.
الأمر الثاني: الإيمان بالملائكة على سبيل التفصيل؛ وذلك بأن نؤمن بمن سمى الله ورسوله منهم؛ كجبريل الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالقطر، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور. كما جاء ذكرهم في أحاديث صحيحة، منها: ما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «خُلِقَتِ الـمَلَائِكَةُ مِن نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم»(14) خرجه مسلم في صحيحه.
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
وهو يتضمن أيضاً أمرين:
الأمر الأول: الإيمان بالكتب إجمالًا؛ وذلك بأن الله أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله؛ لبيان حقه، والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ...﴾ [الحديد: 25].
وقال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ...﴾ [البقرة: 213].
الأمر الثاني: الإيمان بالكتب على سبيل التفصيل؛ وذلك بأن نؤمن بما سمى الله منها؛ كالتوراة، والإنجيل والزبور والقرآن، ونعتقد أن القرآن هو أفضلها وخاتمها، والمهيمن عليها، والمصدق لها، وأنه هو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه؛ مع ما صحت به السنّة عن رسول الله ﷺ؛ لأن الله سبحانه بعث رسوله محمدًا ﷺ رسولًا إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن؛ ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور، وتبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ155﴾ [الأنعام: 155].
وقال سبحانه: ﴿...وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل: 89].
وقال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ158﴾ [الأعراف: 158]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل
وهو يتضمن كذلك أمرين:
الأمر الأول: الإيمان بالرسل إجمالًا؛ وذلك بأن نؤمن أن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى عباده رسلًا منهم مبشرين ومنذرين، ودعاة إلى الحق؛ فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36].
وقال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِ...﴾ [النساء: 165].
وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [الأحزاب: 40].
الأمر الثاني: الإيمان بالرسل على سبيل التفصيل؛ وذلك بأن نؤمن على سبيل التفصيل والتعيين بمن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله ﷺ تسميته؛ كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم، صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم.
الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر
وهو يتضمن:
الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما يكون بعد الموت؛ كفتنة القبر، وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال، والشدائد، والصراط، والميزان، والحساب، والجزاء، ونشر الصحف بين الناس؛ فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره.
ويدخل فيه أيضًا: الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد ﷺ والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى، وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنّة الصحيحة عن رسول الله ﷺ؛ فيجب على العبد الإيمان بذلك كله، وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله ﷺ.
الأصل السادس: الإيمان بالقدر
ويتضمن الإيمان بأمور أربعة:
الأمر الأول: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى قد علم ما كان وما يكون، وعلم أحوال عباده، وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وغير ذلك من شئونهم، فلا يخفى عليه سبحانه وتعالى شيء من ذلك، كما قال سبحانه: ﴿...وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 231].
وقال عز وجل: ﴿...لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا﴾ [الطلاق: 12].
الأمر الثاني: الإيمان بأن الله قد كتب كل ما قدره وقضاه؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ 4﴾ [ق: 4].
وقال تعالى: ﴿...وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ﴾ [يس: 12].
وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ70﴾ [الحج: 70].
الأمر الثالث: الإيمان بمشيئة الله تعالى النافذة؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: 18].
وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ82﴾ [يس: 82].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ29﴾ [التكوير: 29].
الأمر الرابع: الإيمان بخلق الله تعالى لجميع الموجودات؛ فلا خالق غيره، ولا رب سواه؛ كما قال سبحانه: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ62﴾ [الزمر:62].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ3﴾ [فاطر: 3].
فالإيمان بالقدر: يشمل الإيمان بهذه الأمور الأربعة كلها، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ خلافًا لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع.
ومن الأمور المهمة في العقيدة الصحيحة التي يعتقدها أهل السنة: الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، وهذه هي: عقيدة الولاء والبراء، وهي من الإيمان بالله تعالى.
فالمؤمن يحب المؤمنين ويواليهم، ويبعض الكفار ويعاديهم، وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ، -كما هو متقرر عند أهل السنة والجماعة-؛ فهم يحبونهم ويوالونهم، ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء، لقول النبي ﷺ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»(15) متفق على صحته.
ويعتقدون أن أفضلهم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين، ثم بعدهم بقية العشرة، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ويمسكون عما شجر بينهم -أي: الصحابة-، ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون، من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ المؤمنين به ويتولونهم، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويترضون عنهن جميعا. ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم، ويغلون في أهل البيت، ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل، كما يتبرءون من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
فهذا الذي ذكرناه: كله داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدًا ﷺ، وهي العقيدة التي يجب اعتقادها، والتمسك بها، والاستقامة عليها، والحذر مما يخالفها، وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، التي قال فيها النبي ﷺ: «لَا تَـزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»(16)، وفي رواية: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ»(17)، وقال عليه الصلاة والسلام: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ الصَّحَابَةُ: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(18)
العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة
المنحرفون عن هذه العقيدة، والسائرون على ضدها؛ هم أصناف كثيرة؛ فمنهم: عباد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها. فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل، بل خالفوهم وعاندوهم، كما فعلت قريش، وأصناف العرب مع نبينا محمد ﷺ؛ فكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات، وشفاء المرضى، والنصر على الأعداء، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، فلمَّا أنكر عليهم رسول ﷺ ذلك، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، استغربوا ذلك وأنكروه، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ5﴾ [ص: 5].
فلم يزل ﷺ يدعوهم إلى الله، وينذرهم من الشرك، ويشرح لهم حقيقة ما يدعون إليه؛ حتى هدى الله منهم من هدى، ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجًا، فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة، وجهاد طويل من رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان. ثم تغّيرت الأحوال، وغلب الجهل على أكثر الخلق؛ فعاد الأكثرون إلى دين الجاهلية، بالغلو في الأنبياء والأولياء، ودعائهم والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أنواع الشرك، ولم يعرفوا معنى: لا إله إلا الله؛ كما عرف معناها كفار العرب، فالله المستعان.
ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلى عصرنا هذا؛ بسبب غلبة الجهل وبُعْدِ العهد بعصر النبوّة.
وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين، وهي قولهم: ﴿...هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ...﴾ [يونس: 18]، وقولهم: ﴿...مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ [الزمر: 3] وقد أبطل الله هذه الشبهة، وبين أن من عبد غيره كائنًا من كان فقد أشرك به وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ...﴾ [يونس: 18]. فرد الله عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ18﴾ [يونس: 18].
فبين تعالى في هذه الآية: أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم هي الشرك الأكبر، وإن سماها فاعلوها بغير ذلك، وقال تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ﴾ [الزمر: 3]. ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ [الزمر: 3].
فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء، والخوف، والرجاء، ونحو ذلك؛ كفر به سبحانه، وأكذبهم في قولهم: إن آلهتهم تقربهم إليه زلفى.
ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة، والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام: ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس ولينين، وغيرهما من دعاة الإلحاد والكفر، سواء سموا ذلك اشتراكية أو شيوعية أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء فإن من أصول هؤلاء الملاحدة أنه: لا إله والحياة مادة،
ومن أصولهم: إنكار المعاد، وإنكار الجنة والنار، والكفر بالأديان كلها، ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ذلك يقينًا، ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية، ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة.
ومن تلك العقائد المضادة للحق: ما يعتقده بعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شئون العالم، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث، وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا شرك في الربوبية، وهو من أقبح أنواع الشرك بالله تعالى.
ومن تأمل في شرك المتقدمين من أهل الجاهلية وقارنه بالشرك المنتشر بين المتأخرين؛ وجد أن شرك المتأخرين أعظم وأطم، وبيان ذلك كما يلي: أن كفار العرب في الجاهلية قد تميزوا بأمرين:
الأمر الأول: أنهم لم يكونوا يشركون في الربوبية، وإنما كان شركهم في العبادة؛ فقد كانوا معترفين بالربوبية لله عز وجل وحده، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...﴾ [الزخرف: 87].
وقال الله تعالى: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ31﴾ [يونس: 31]. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا.
الأمر الثاني: أن شركهم في العبادة لم يكن دائمًا، وإنما كان يحدث في حال الرخاء، أما في حال الشدة فإنهم كانوا يخلصون لله العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ65﴾ [العنكبوت: 65].
أمّا المشركون المتأخرون، فإنهم زادوا على الأولين من جهتين:
الجهة الأولى: شرك بعضهم في الربوبية.
الجهة الثانية: شركهم في الرخاء والشدّة، كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم، ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين والبدوي وغيرهما في مصر، وعند قبر العيدروس في عدن، والهادي في اليمن، وابن عربي في الشام، والشيخ عبد القادر الجيلاني في العراق، وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة، وصرفوا لها الكثير من حق اللّه عز وجل، وقلَّ من ينكر عليهم ذلك، ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ، ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات: عقائد أهل البدع من الجهمية، والمعتزلة، ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله عز وجل، وتعطيل ما ذكر لله سبحانه من صفات الكمال، ووصفه عز وجل بصفة المعدومات والجمادات والمستحيلات، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
ويدخل في ذلك: من نفى بعض الصفات وإثبات بعضها؛ كما هو معتقد الأشاعرة، وهؤلاء يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فرُّوا منه في الصفات التي نفوها، وتأولوا أدلتها، فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية، وتناقضوا في ذلك تناقضًا بينًا.
وأمّا أهل السنّة والجماعة: فقد أثبتوا لله سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ من الأسماء والصفات على وجه الكمال، ونزهوه عن مشابهة خلقه، تنزيهًا بريئًا من شائبة التعطيل، فعملوا بالأدلة كلها، ولم يحرِّفوا ولم يعطلوا، وسلموا من التناقض الذي وقع فيه غيرهم- كما سبق بيان ذلك-،
وهذا هو سبيل النجاة، والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها، ولن يصلح آخرهم إلا ما صلح به أولهم، وهو اتباع الكتاب والسنة، وترك ما خالفهما. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردَّ الأمة إلى رشدها، وأن يكثر فيها دعاة الهدى، ويوفق قادتها وعلماءها لمحاربة الشرك، والقضاء عليه، والتحذير من وسائله... إنه سميع قريب. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه.
الرسالة الثانية
في حُكْمِ الِاسْتِغاثَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فقد نشرت صحيفة المجتمع الكويتية في عددها ١٥، الصادر ١٩/ ٤/ ١٣٩٠ هـ أبياتًا تحت عنوان: (في ذكرى المولد النبوي الشريف)، وكانت هذه أبيات تتضمن الاستغاثة بالنبي ﷺ، والاستنصار به؛ لإدراك الأمة ونصرها وتخليصها مما وقعت فيه من التفرق والاختلاف، بإمضاء مَن سمَّت نفسها: (آمنة)، وهذا نص من الأبيات المشار إليها:
يا رسول الله أدرك عالمًا... يشعل الحرب ويصلى مـن لظاها
يا رسول الله أدرك أمـة... في ظلام الشك قـد طـال سراها
يا رسول الله أدرك أمـة... في متاهات الأسى ضاعت رؤاها
إلى أن قالت:
عجل النصر كما عجلتـه... يوم بدر حين ناديت الإله
فاستحال الذل نصرًا رائعًا... إن لله جــنــودًا لا تـراهـا
(هكذا تُوجِّه هذه الكاتبة نداءها واستغاثتها إلى الرسول ﷺ، طالبةً منه إدراك الأمة بتعجيل النصر، ناسية ـ أو جاهلة ـ أن النصر بيد الله وحده، وليس بيد النبي ﷺ ولا غيره من المخلوقات، كما قال الله سبحانه في كتابه المبين: ﴿...وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]، وقال جل جلاله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ...﴾ [آل عمران: 160].
وهذا العمل من الدعاء والاستغاثة هو: صرفٌ لنوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى؛ وقد عُلم بالنص والإجماع: أن ذلك لا يجوز، وأن الله ـ سبحانه ـ خلقَ الخلقَ ليعبدوه، وأرسل الرسلَ وأنزل الكتب لبيان تلك العبادة والدعوة إليها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ...﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ 25﴾ [الأنبياء: 25]، وقال جل جلاله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1﴾ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ2﴾ [هود: 1، 2].
فأوضح تعالى في هذه الآيات المحكَمات أنه لم يَخلق الثقلين إلا ليعبدوه وحده، لا شريك له، وبيَّن أنه أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للأمر بهذه العبادة، والنهي عن ضدها، وأخبر عز ولجل أنه أحكمَ آيات كتابه وفصَّلها لئلا يُعبد غيره سبحانه.
ومعلوم أن العبادة تعني: توحيد الله وطاعته، بامتثال أوامره وترك نواهيه، وقد أمر الله وأخبر بذلك في آيات كثيرة، منها: قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ...﴾ [البينة: 5]، وقوله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ...﴾ [الإسراء: 23]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ2﴾ ﴿ أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ3﴾ [الزُّمَر: 2-3].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه من الأنبياء وغيرهم.
ولا ريب أن الدعاء مِن أهم أنواع العبادة وأجمعها، فوَجب إخلاصه لله وحده، كما قال عز وجل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ14﴾ [غافر: 14]، وقال عز وجل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا18﴾ [الجن: 18]، وهذا التوجيه بإفراد الله بالدعاء يَعم جميع المخلوقات من الأنبياء وغيرهم؛ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ106﴾ [يونس: 106]، وهذا خطاب للنبي ﷺ، ومعلوم أن الله سبحانه قد عصمه من الشرك، وإنما المراد من ذلك تحذير غيرَه، ثم قال جل جلاله: ﴿وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ106﴾ [يونس: 106]، وهذا خطاب للنبي ﷺ، والمراد منه: تحذير غيره؛ لأنه معلوم أن الله سبحانه وتعالى قد عصم رسوله من الشرك، ثم أغلظ الله تعالى في النهي والتحذير؛ فقال: ﴿...فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ والظلم إذا أطلق فإنه يراد به: الشرك الأكبر، كما قال تعالى: ﴿...وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] وقال تعالى: ﴿...إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. فلئن كان سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام لو دعا غير الله يكون من الظالمين، فكيف بغيره؟!.
فعُلم بهذه الآيات وغيرها أن دعاء غير الله ـ من الأموات والأشجار والأصنام وغيرها ـ شرك بالله عز وجل، ومنافاة لتوحيد الله بالعبادة التي هي الغرض من خلق الله الثقلين، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومعارض لمعنى: لا إله إلا الله؛ التي تنفي العبادة عن غير الله، وتُثبتها لله وحده، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ62﴾ [الحج: 62].
وهذا هو أصلُ الدين وأساس الملة، ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ65﴾ [الزُّمَر: 65]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿...وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
ومما سبق يتبين أن لدين الإسلام، وشهادة: (أن لا إله إلا الله) أصلين عظيمين:
أحدهما: ألا يُعبد إلا الله وحده، لا شريك له؛ فمَن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم، أو دعا الأصنام، أو الأشجار، أو الأحجار، أو غيرها من المخلوقات، أو استغاث بهم، أو تقرب إليهم بالذبائح والنذور، أو صلى لهم، أو سجد لهم؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، وجعلهم أندادًا له سبحانه وتعالى، وناقض ونافى معنى لا إله إلا الله.
الثاني: ألا يُعبد الله تعالى إلا بشريعة نبيه ورسوله ﷺ، فمن ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله؛ لم يُحقق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، ولا ينفعه عمله ولا يقبل منه، قال الله جل جلاله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا23﴾ [الفرقان: 23]، والمقصود بالأعمال المذكورة في الآية: أعمال مَن مات على الشرك بالله عز وجل.
ويدخل فيها أيضًا: الأعمال المبتدَعة التي لم يأذن بها الله، فإنها تكون يوم القيامة هباءً منثورًا، لكونها لم توافق شرعه المطهَّر، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق على صحته.
وخلاصة القول: أن هذه الكاتبة قد وجهت استغاثتها ودعاءها للرسول ﷺ، وأعرضت عن رب العالمين، الذي بيده النصر والضر والنفع، وليس بيد غيره شيء من ذلك.
ولا شك أن هذا ظلم عظيم وخيم، وقد أمر الله ـ عز وجل ـ بدعائه سبحانه، ووعد من يدعوه بالاستجابة، وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم، كما قال عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، أي: صاغرين ذليلين، فدلت هذه الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة، وأن من استكبر عنه مأواه جهنم، فإذا كانت هذه حال من استكبر عن دعاء الله، فكيف تكون حال من دعا غيره، وأعرض عنه، وهو سبحانه القريب، المالك لكل شيء، والقادر على كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ 186﴾ [البقرة: 186]، وقد أخبر الرسول ﷺ في الحديث الصحيح أن الدعاء هو العبادة، وقال لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعْنَتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ». أخرجه الترمذي وغيره.
وقال ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو لِلهِ نِدًّا؛ دَخَلَ النَّارَ». رواه البخاري، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه سُئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». والند: هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله، أو استغاث به أو نذر له، أو ذبح له، أو صرف له شيئًا من العبادة سوى ما تقدم؛ فقد اتخذه ندًّا، سواء كان نبيًّا، أو وليًّا، أو ملكًا، أو جنيًّا، أو صنمًا، أو غير ذلك من المخلوقات.
وهنا قد يقول قائل: فما حكم سؤال الحي الحاضر بما يَقدر عليه، والاستعانة به في الأمور الحسية التي يقدر عليها؛ والجواب: أن هذا ليس ذلك من الشرك، بل من الأمور العادية الجائزة بين المسلمين، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿...فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ...﴾ [القصص: 15]، وكما قال تعالى في قصة موسى أيضًا: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ...﴾ [القصص: 21]، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب، وغيره من الأمور التي تَعرض للناس، ويحتاجون فيها إلى بعضهم.
وقد أمر اللهُ نبيه ﷺ أن يُخبر أمته أنه لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًّا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا21 قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا22﴾ [الجن: 21، 22]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ188﴾ [الأعراف: 188].
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ لا يدعو إلا ربه، كما ثبت عنه أنه كان في يوم بدر يستغيث بالله، ويستنصره على عدوه، ويلح في ذلك، ويقول: «يا رب! أنجز لي ما وعدتني». حتى قال الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه: حسبك يا رسول الله، فإن الله منجزٌ لك ما وعدك، وأنزل الله سبحانه في ذلك قوله تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ9﴾ [الأنفال: 9]، فذكرهم سبحانه في هذه الآيات استغاثتهم، وأخبر أنه استجاب لهم فأمدَّهم بالملائكة؛ للتبشير بالنصر، والطمأنينة، وبيَّن سبحانه أن النصر ليس من الملائكة، وإنما هو النصر من عنده، فقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ...﴾ [آل عمران: 126]، وقال جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ123﴾ [آل عمران: 123].
فبين تعالى في هذه الآية أنه سبحانه هو الناصر لهم يوم بدر، فعلم بذلك أن ما أعطاهم من السلاح والقوة، وما أمدهم به من الملائكة، كل ذلك من أسباب النصر والتبشير والطمأنينة، وليس النصر منها، بل هو من عند الله وحده، فكيف تجرؤ هذه الكاتبة أو غيرها بأن توجه استغاثتها وطلبها النصر من النبي ﷺ، وتُعرض عن رب العالمين، المالك لكل شيء والقادر على كل شيء؟!
لا شك أن هذا من أقبح الجهل، بل من أعظم الشرك، فالواجب على الكاتبة أن تتوب إلى الله ـ سبحانه ـ توبةً نصوحًا، والتوبة النصوح هي المشتملة على عدة أمور، هي: الأول: الندم على ما وقع منها. الثاني: الإقلاع عما وقع منها، والثالث: العزم على عدم العود إليه، تعظيمًا لله وإخلاصًا له، وامتثالًا لأمره، وحذرًا مما نهى عنه، هذه هي التوبة النصوح، وهناك أمر رابع خاص بما إذا كانت الإساءة في حق المخلوقين وهو: الرابع: رد الحق إلى مستحقه، أو تحلله منه.
وقد أمر الله عبادَه بالتوبة، ووعدهم قبولَها، كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ31﴾ [النور: 31]، وقال في حق النصارى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ74﴾ [المائدة: 74]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا68 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا69 إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا70﴾ [الفرقان: 68-70]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ25﴾ [الشورى: 25].
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا».
وقد حررت هذه الكلمات الموجزة؛ لِعظم خطر الشرك، وكونه أعظم الذنوب، وخشية الاغترار بما صدر من هذه الكاتبة، ولوجوب النصح لله ولعباده. وأسأل الله جل جلاله أن ينفع بها، وأن يُصلح أحوالنا وأحوال المسلمين جميعًا، وأن يَمنَّ علينا جميعًا بالفقه في الدين، والثبات عليه، ويُعيذنا والمسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
الرسالة الثالثة
في حُكْمِ الاستِغَاثَةِ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالنَّذْرِ لَهُمْ
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى مَن يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للتمسك بدينه، والثبات عليه آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد سألني بعض الإخوان عما يفعله بعض الجُهال؛ من دعاء غير الله سبحانه، والاستنجاد به في المهمات؛ كدعاء الجن والاستغاثة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم. ومن ذلك أيضًا قول بعضهم: (يا سبعة)، أي: سبعة من رؤساء الجن خذوه، اكسروا عظامه، اشربوا دمه، مثِّلوا به، يا سبعة افعلوا به كذا، أو قول بعضهم: (خذوه يا جن الظهيرة، يا جن العصر)، وهذا يوجد كثيرًا في بعض الجهات الجنوبية، ومما يَلتحق بهذا الأمر: دعاء الأموات من الأنبياء والصالحين وغيرهم، ودعاء الملائكة والاستغاثة بهم، فهذا كله وأشباهه واقع مِن كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، جهلًا منه، وتقليدًا لمن قَبله، وربما سهَّل بعضهم في ذلك واحتج بقوله: هذا شيء يجري على اللسان، لا نقصده ولا نعتقده.
وسألني أيضًا: عن حكم مناكحة من عُرف بهذه الأعمال، وذبائحهم، والصلاة عليهم، وخلفهم، وعن تصديق المشعوذين والعرافين؛ كمن يدعي معرفة المرض وأسبابه بمجرد إشرافه على شيء مما مس جسدَ المريض؛ كالعمامة والسراويل والخمار وأشباه ذلك.
والجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق الثقلين ليعبدوه، دون كل ما سواه، وليخصوه بالدعاء والاستغاثة، والذبح والنذر وسائر العبادات، وقد بعث الرسل بذلك، وأمرهم به، وأنزل الكتب السماوية التي أعظمها القرآن الكريم ببيان ذلك والدعوة إليه، وتحذير الناس من الشرك بالله وعبادة غيره، وهذا هو أصل الأصول وأساس الملة والدين، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وحقيقة: لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي الألوهية والعبادة لغير الله، وتثبتها - أي: العبادة- لله وحده، دون ما سواه من سائر المخلوقات، والأدلة على هذا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة جدًّا، منها: قوله جل جلاله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ...﴾ [الإسراء: 23]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ...﴾ [البينة: 5]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ60﴾ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ...﴾ [البقرة: 186].
فَبَيَّن سبحانه في هذه الآيات أنه خلق الثقلين لعبادته، وأنه قضى - أي: أمر وأوصى- عباده في محكم القرآن، وعلى لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، ألا يُعبد إلا ربهم،
وأوضح ـ جل وعلا ـ أن الدعاء عبادة عظيمة، مَن استكبر عنها دخل النار، وأمرَ عبادَه أن يدعوه وحده، وأخبر أنه قريب يجيب دعوتهم، فوجب على جميع العباد أن يخصوا ربهم بالدعاء؛ لأنه نوع من العبادة التي خُلقوا لها، وأُمروا بها، وقال جل جلاله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ162 لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ163﴾ [الأنعام: 162، 163].
فأمر الله نبيَّه ﷺ أن يُخبر الناس أن صلاته ونسكه -وهو: الذبح-، ومحياه ومماته؛ لله رب العالمين لا شريك له، وبناء على ذلك: فمن ذبح لغير الله فقد أشرك بالله، كما لو صلى لغير الله؛ لأن الله سبحانه جعل الصلاة والذبح قرينين، وأخبر أنهما لله وحده لا شريك له، فمن ذبح لغير الله من الجن والملائكة والأموات وغيرهم، يتقرب إليهم بذلك، فهو كمَن صَلى لغير الله. وفي الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ».
وأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن طارق بن شهاب ﭬ عن النبي ﷺ أنه قال: «مرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَومٍ لَهُم صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقرِّبَ لَهُ شَيئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيسَ عِندِي شَيءٌ أَقَرِّبُهُ، قَالُوا: قَرِّبْ وَلَوْ ذَبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ، وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ، فَضَرَبُوا عُنُقَه، فَدَخَلَ الجَنَّةَ».
فإذا كان مَن تقرب إلى الصنم ونحوه بالذباب ونحوه يكون مشركًا، يستحق دخول النار، فكيف بمن يدعو الجن والملائكة والأولياء وكيف بمن يستغيث بهم، ويَنذر لهم، ويتقرب إليهم بالذبائح، يرجو بذلك حفظ ماله، أو شفاء مريضه، أو سلامة دوابه وزرعه، وكيف بمن يفعل ذلك خوفًا من شر الجن، أو ما أشبه ذلك؟!، لا شك أن من فعل هذا وأشباهه أَولى بأن يكون مشركًا، مستحقًّا لدخول النار من هذا الرجل الذي قرَّب الذبابَ للصنم.
ومما ورد في ذلك ـ أيضًا ـ قوله جل جلاله: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ2 أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ3﴾ [الزُّمَر: 1-3]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ18﴾ [يونس: 18].
فأخبر الله سبحانه في هاتين الآيتين، أن المشركين اتخذوا من دونه أولياء من المخلوقات، يَعبدونهم معه بالخوف، والرجاء والذبح، والنذر والدعاء ونحو ذلك، زاعمين أن أولئك الأولياء يُقَرَّبون مَن عبدهم إلى الله، ويشفعون لم عنده، ثم أكذبهم الله سبحانه، وأوضح باطلهم، وسماهم كذبةً وكفارًا ومشركين، ونزَّه نفسَه عن شركهم، فقال جل وعلا: ﴿...سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 1]. فعُلم بذلك أن من اتخذ ملكًا، أو نبيًّا أو جنيًّا أو شجرًا أو حجرًا يدعوه مع الله، ويستغيث به، ويتقرب إليه، بالنذر والذبح، رجاء شفاعته عند الله، وتقريبه لديه، أو رجاء شفاء المريض، أو حفظ المال، أو سلامة الغائب، أو ما شابه ذلك؛ فقد وقع في هذا الشرك العظيم، والبلاء الوخيم، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا48﴾ [النساء: 48]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ72﴾ [المائدة: 72].
والشفاعة إنما تَحصل يوم القيامة لأهل التوحيد والإخلاص، لا لأهل الشرك، كما قال النبي ﷺ لَمَّا قيل له: يا رسول الله، مَن أسعدُ الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ». وقال ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَـبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَومَ القِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهِ مَن مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا».
وكان المشركون الأولون يؤمنون بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، وإنما تعلقوا على الأنبياء والأولياء والملائكة والأشجار والأحجار وأشباه ذلك، يرجون شفاعتهم عند الله، وتقريبهم لديه، كما سبق في الآيات، فلم يَعذرهم الله بذلك، بل أنكر الله عليهم في كتابه العظيم، وسمَّاهم كفارًا ومشركين، وأكذَبَهم في زعمهم أن هذه الآلهة تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى، ولم يعذرهم رسو الله ﷺ، بل وقاتلهم الرسول ﷺ على هذا الشرك حتى يُخلصوا العبادة لله وحده، عملًا بقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ...﴾ [البقرة: 193].
وقال الرسول ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ». ومعنى قوله ﷺ: «حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ» أي: حتى يخصوا الله بالعبادة، دون كل ما سواه.
ولقد كان المشركون يخافون من الجن ويعوذون بهم، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا6﴾ [الجن: 6]. قال أهل التفسير في الآية الكريمة: معنى قوله: ﴿...فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: ذعرًا وخوفًا؛ لأن الجن تتعاظم في نفسها وتتكبر، إذا رأت الإنس يَستعيذون بها، وعند ذلك يزدادون لهم إخافةً وإذعارًا، حتى يُكثروا من عبادتهم، واللجوء إليهم.
وقد عوَّض الله المسلمين عن ذلك الاستعاذة به سبحانه، وبكلماته التامّة، وأنزل في ذلك قوله جل جلاله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ200﴾ [الأعراف: 200]، وقوله جل جلاله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ1﴾ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)؛ لَم يَضُرَّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ».
ومما تقدم من الآيات والأحاديث، يَعلم طالب النجاة، والراغب في الحفاظ على دينه، والسلامة من الشرك، دقيقه وجليله؛ أن التعلق بالأموات والملائكة والجن وغيرهم من المخلوقات، ودعاءهم والاستعاذة بهم ونحو ذلك؛ مِن عمل أهل الجاهلية المشركين، ومِن أقبح الشرك بالله سبحانه، فالواجب تركه، والحذر من ذلك، والتواصي بتركه، والإنكار على مَن فعله.
وَأما مَن عُرف من الناس بهذه الأعمال الشركية: فإنه لم تَجز مناكحته، وَلَا أكل ذبيحته، ولا الصلاة عليه، وَلَا الصلاة خلفه، حتى يُعلن التوبة إلى الله سبحانه من ذلك، ويخلص الدعاء والعبادة لله وحده، والدعاء هو العبادة، بل مخها، كما قال النبي ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ». وروي عنه ﷺ في لفظ آخر أنه قال: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ».
أما مناكحة المشركين: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ221﴾ [البقرة: 221]، فنهى الله سبحانه المسلمين عن التزوج بالمشركات، من عُبَّاد الأوثان والجن والملائكة وغير ذلك، حتى يؤمن بإخلاص العبادة لله وحده، وتصديق الرسول ﷺ فيما جاء به، واتباع سبيله، ونهى عن تزويج المشركين بالنساء المسلمات، حتى يؤمنوا بإخلاص العبادة لله وحده، وتصديق الرسول ﷺ، واتباعه.
وأخبر سبحانه أن الأمَة المؤمنة خير من الحرة المشركة، ولو أعجبت من ينظر إليها، ويسمع كلامها، بجمالها وحُسن كلامها، وأن العبد المؤمن خير من الحر المشرك، ولو أعجب سامعه والناظر إليه، بجماله وفصاحته وشجاعته وغير ذلك، ثم أوضح أسباب هذا التفضيل بقوله سبحانه: ﴿...أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ...﴾ [البقرة: 221]. يعني بذلك: المشركين والمشركات؛ لأنهم من دعاة النار بأقوالهم وأعمالهم وسيرتهم وأخلاقهم، أما المؤمنون والمؤمنات فهُم من دعاة الجنة بأخلاقهم وأعمالهم وسيرتهم، فكيف يستوي هؤلاء وهؤلاء!
وأما الصلاة على المشركين: فقد قال جل وعلا في شأن المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ84﴾ [التوبة: 84]، فأوضح جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافق والكافر لا يُصَلَّى عليهما؛ لكفرهما بالله ورسوله، وهكذا لا يُصَلَّى خلفَهما، ولا يُجعلان أئمة للمسلمين؛ لكفرهما وعدم أمانتهما، وللعداوة العظيمة التي بينهما وبين المسلمين، ولأنهما ليسَا مِن أهل الصلاة والعبادة؛ لأن الكفر والشرك لا يبقى معهما عمل، نسأل الله العافية من ذلك.
وأما أكل ذبائح المشركين: فقد قال جل جلاله مبيناً تحريم الميتة وذبائح المشركين: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ121﴾ [الأنعام: 121]، فنهى جل جلاله المسلمين عن أكل الميتة وذبيحة المشرك؛ لأنه نجس، فذبيحته في حُكم الميتة، ولو ذكرَ اسم الله عليها؛ لأن التسمية منه باطلة لَا أثر لها؛ لأنها عبادة، والشرك يحبط العبادة ويبطلها، حتى يتوب المشرك إلى الله سبحانه، وإنما أباح جل جلاله طعام أهل الكتاب في قوله سبحانه: ﴿...وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ...﴾ [المائدة: 5]، لأنهم ينتسبون إلى دين سماوي، ويزعمون أنهم من أتباع موسى وعيسى، وإن كانوا في ذلك كاذبين، وقد نسخ الله دينهم وأبطله ببعث محمد ﷺ إلى الناس عامّة، ولكن الله جل وعلا أحل لنا طعام أهل الكتاب ونساءهم؛ لحكمة بالغة وأسرار مَرعية، قد وضحها أهل العلم، بخلاف المشركين من عُبَّاد الأوثان والأموات، من الأنبياء والأولياء وغيرهم؛ لأن دينهم لا أصل له، ولا شبهة فيه، بل هو باطل من أساسه، فكانت ذبيحة أهله ميتة، ولا يباح أكلها.
وأما قول الشخص لمن يُخاطبه: (جن أصابك)، (جن أخذك)، (شيطان طار بك)، وما أشبه ذلك، فهذا من باب السب والشتم، وذلك لا يجوز بين المسلمين، كسائر أنواع السب والشتم، وليس ذلك من باب الشرك، إلا أن يكون قائل ذلك يعتقد أن الجن يتصرفون في الناس بغير إذن الله ومشيئته، فمَن اعتقد ذلك في الجن أو غيرهم من المخلوقات، فهو كافر بهذا الاعتقاد؛ لأن الله سبحانه هو المالك لكل شيء، والقادر على كل شيء، وهو النافع الضار، ولا يوجد شيء إلا بإذنه ومشيئته وقدره السابق، كما قال جل جلاله آمرًا نبيه ﷺ أن يخبر الناس بهذا الأصل العظيم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ188﴾ [الأعراف: 188]، فإذَا كان سيِّد الخلق وأفضلهم عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، إلا ما شاء الله، فكيف بغيره من الخلق؟! والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما سؤال العَرَّافين والمشعوذين والمنجمين وأشباههم، ممن يتعاطى الأخبار عن المغيبات، فهو منكر لا يجوز، وتصديقهم أشد وأنكر، بل هو مِن شعب الكفر؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَومًا». رواه مسلم في صحيحه، وفي صحيحه ـ أيضًا ـ عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِتْيَانِ الكُهَّانِ وَسُؤَالِهِم».
وأخرج أهل السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على المسلمين: الحذر من سؤال الكهنة والعرافين، وسائر المشعوذين، المشتغلين بالإخبار عن المغيبات، والتلبيس على المسلمين، سواء كان باسم الطب أو غيره، لما تقدم من نهي النبي ﷺ عن ذلك، وتحذيره منه، ويدخل في ذلك: ما يدعيه بعض الناس باسم الطب، من الأمور الغيبية، إذا شم عمامة المريض، أو خمار المريضة، أو نحو ذلك، قال: هذا المريض أو هذه المريضة فعل كذا، وصنع كذا، من أمور الغيب التي ليس في عمامة المريض ونحوها دلالة عليها، وإنما القصد من ذلك التلبيس على العامة، حتى يقولوا: إنه عارف بالطب، وأنواع المرض وأسبابه، وربما أعطاهم شيئًا من الأدوية، ولربما صادف ذلك الشفاء بقدر الله، فظنوا أنه بأسباب دوائه، وربما كان المرض بأسباب بعض الجن والشياطين، الذين يخدمون ذلك المدعي للطب، ويُخبرونه عن بعض المغيبات التي يطلعون عليها، فيعتمد على ذلك، ويُرضي الجن والشياطين بما يناسبهم من العبادة، فيرتفعون عن ذلك المريض، ويتركون ما قد تلبسوا به معه من الأذى، وهذا شيء معروف عن الجن والشياطين ومن يستخدمهم.
والواجب على المسلمين أيضًا: الحذر من ذلك، والتواصي بتركه، والاعتماد على الله سبحانه، والتوكل عليه في كل الأمور، ولا بأس بتعاطي الرقى الشرعية والأدوية المباحة، والعلاج عند الأطباء الذين يستعملون الكشف على المريض، والتأكد من مرضه، بالأسباب الحسية والمعقولة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ علِمه، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ». وقال ﷺ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فإِذَا أُصِيبَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بََرَأَ بِإِذْنِ اللهِ». وقال ﷺ: «عِبَادَ اللهِ، تَدَاوَوا وَلَا تَدَاوَوا بِحَرَامٍ». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فنسأل الله جل جلاله أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا، ويشفي قلوبهم وأبدانهم من كل سوء، ويجمعهم على الهدى، ويعيذنا وإياهم من مضلات الفتن، ومن طاعة الشيطان وأوليائه، إنه على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
الرسالة الرابعة:
فِي حُكْمِ التَّعَبُّدِ بِالْأَوْرَادِ الْبِدْعِيَّةِ وَالشِّرْكِيَّةِ
مِن عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرَّم (.........)، وفَّقه الله لكل خير، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أَمَّا بَعْدُ:
فقد وصل إليَّ كتابكم الكريم، وَصلكم الله بهداه، وما تضمنه من الإفادة أنه يوجد في بلادكم أناس متمسكون بأوراد ما أنزل الله بها من سلطان، منها ما هو بدعي، ومنها ما هو شركي، ويَنسبون ذلك إلى أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب ﭬ وغيره، ويقرءون تلك الأوراد في مجالس الذكر، أو في المساجد بعد صلاة المغرب، زاعمين أنها قُربة إلى الله، كقولهم: بحق الله، رجالَ الله، أعينونا بعون الله، وكونوا عوننا بالله. وكقولهم: يا أقطاب، ويا أسياد، أجيبوا يا ذوي الأمداد فينا، واشفعوا لله، هذا عبدكم واقف، وعلى بابكم عاكف، ومن تقصيره خائف، أغثنا يا رسول الله، وما لي غيركم أذهب، ومنكم يحصل المَطلب، وأنتم أهل الله، بحمزة سيد الشهداء، ومَن منكم لنا مددًا، أغثنا يا رسول الله. وكقولهم: اللهم صل على من جعلته سببًا لانشقاق أسرارك الجبروتية وانفلاقًا لأنوارك الرحمانية، فصار نائبًا عن الحضرة الربانية، وخليفة أسرارك الذاتية.
ورغبتكم في بيان ما هو بدعة، وما هو شرك، وهل تصح الصلاة خلف الإمام الذي يدعوا بهذا الدعاء، كل ذلك كان معلومًا؟.
والجواب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أَمَّا بَعْدُ: فاعلم ـ وفقك الله ـ أن الله سبحانه إنما خلق الخلق وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام ليُعبد وحده لَا شريك له، دون كل ما سواه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56].
والعبادة -كما سبق بيانها- هي: طاعته سبحانه وطاعة رسوله محمد ﷺ؛ بفعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله ورسوله عنه، عن إيمان بالله ورسوله، وإخلاص لله في العمل، مع غاية الحب لله، وكمال الذل له وحده تعالى دون سواه؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ...﴾ [الإسراء: 23] أي: أمر وأوصى بأن يُعبد وحده، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ2 الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ3 مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ4 إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ5﴾ [الفاتحة: 2-5]، فأبان الله سبحانه وتعالى بهذه الآيات: أنه هو المستحق لأن يُعبد وحده، ويُستعان به وحده.
وقال جل جلاله: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ2 أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ...﴾ [الزُّمَر: 2- 3]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ14﴾ [غافر: 14]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا18﴾ [الجن: 18]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على وجوب إفراد الله بالعبادة.
ومعلوم أن الدعاء بأنواعه من العبادة، فلا يجوز لأحد من الناس أن يدعو إِلَّا ربَّه، ولا يستعين ولا يستغيث إلا به، عملًا بهذه الآيات الكريمة، وما جاء في معناها. وهذا فيما عدا الأمور العادية، والأسباب الحسية، التي يَقدر عليها المخلوق الحي الحاضر، فإن تلك ليست من العبادة، بل يجوز بالنص والإجماع أن يستعين الإنسان بالإنسان الحي القادر، في الأمور العادية التي يقدر عليها؛ كأن يستعين به أو يستغيث به في دفع شر ولده أو خادمه أو كلبه وما أشبه ذلك، وكأن يستعين الإنسان بالإنسان الحي الحاضر القادر، أو الغائب، بواسطة الأسباب الحسية كالمكاتبة ونحوها في بناء بيته، أو إصلاح سيارته، أو ما أشبه ذلك، ومن ذلك: استغاثة الإنسان بأصحابه في الجهاد والحرب، ونحو ذلك. ومن هذا الباب قول الله تعالى في قصة موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿...فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ...﴾ [القصص: 15].
فَأَمَّا الاستغاثة بالأموات، والجن والملائكة، والأشجار والأحجار: فذلك من الشرك الأكبر، وهو من جنس عمل المشركين الأولين مع آلهتهم؛ كالعزى واللات وغيرهما، وهكذا الاستغاثة والاستعانة بمن يعتقد فيهم الولاية من الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كشفاء المرضى، وهداية القلوب، ودخول الجنة، والنجاة من النار، وأشباه ذلك.
والآيات السابقات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث: كلها تدل على وجوب توجيه القلوب إلى الله في جميع الأمور، وإخلاص العبادة لله وحده؛ لأن العباد خُلقوا لذلك، وبه أُمروا -كما سبق في الآيات-، وكما في قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...﴾ [النساء: 36]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...﴾ [البينة: 5]، وقول النبي ﷺ في حديث معاذ رضي الله عنه: «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا». متفق على صحته، وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو لِلهِ نِدًّا؛ دَخَلَ النَّارَ». رواه البخاري.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لَمَّا بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَأْتِي قَومًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُم إِلَيهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ». وفي لفظ: «اُدْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ». وفي رواية للبخاري: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُم إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ».
وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي ﭬ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وُدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وهذا التوحيد هو أصل دين الإسلام، وهو أساس الملة، وهو رأس الأمر، وأهم الفرائض، وهو الحكمة في خلق الثقلين، والحكمة في إرسال الرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام، كما تقدمت الآيات الدالة على ذلك، ومنها: قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56﴾ [الذاريات: 56]، ومن الأدلة على ذلك ـ أيضًا ـ: قوله جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ...﴾ [النحل: 36]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ25﴾ [الأنبياء: 25].
وقال جل جلاله عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام، أنهم قالوا لقومهم: ﴿...اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ...﴾ [الأعراف: 59]، وهذه دعوة الرسل جميعًا، كما دلت على ذلك الآيتان السابقتان، وقد اعترف أعداء الرسل بأن الرسل أمروهم بإفراد الله بالعبادة، وخلع الآلهة المعبودة من دونه، كما قال جل جلاله في قصة عاد، أنهم قالوا لهود عليه الصلاة والسلام: ﴿...أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا...﴾ [الأعراف: 70]، وقال سبحانه وتعالى عن قريش لَمَّا دعاهم نبينا محمد ﷺ إلى إفراد الله بالعبادة، وترك ما يعبدون من دونه من الملائكة والأولياء والأصنام والأشجار، وغير ذلك: ﴿ أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ5﴾ [ص: 5]، وقال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ35 وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ36﴾ [الصافات: 35- 36]، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة.
ومما ذكرناه من الآيات والأحاديث: يتضح لك ـ وفَّقني الله وإياك للفقه في الدين، والبصيرة بحق رب العالمين ـ أن هذه الأدعية وأنواع الاستغاثة -التي بينتها في سؤالك-، كلها من أنواع الشرك الأكبر؛ لأنها عبادة لغير الله، وطلب لأمور لا يقدر عليها سواه، من الأموات والغائبين، وذلك أقبح من شرك الأولين؛ لأن الأولين إنما يشركون في حال الرخاء، وأما في حال الشدائد فيُخلصون لله العبادة؛ لأنهم يعلمون أنه ـ سبحانه ـ هو القادر على تخليصهم من الشدة دون غيره، كما قال تعالى في كتابه المبين عن أولئك المشركين: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ65﴾ [العنكبوت: 65]، وقال سبحانه وتعالى يخاطبهم في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا67﴾ [الإسراء: 67].
فإن قال قائل من هؤلاء المشركين المتأخرين: إنا لا نقصد أن أولئك يفيدون بأنفسهم، ويشفون مرضانا بأنفسهم، أو ينفعونا بأنفسهم، أو يضرونا بأنفسهم، وإنما نقصد شفاعتهم إلى الله تعالى في ذلك؟
فالجواب: أن يقال له: إن هذا هو مقصد الكفار الأولين ومرادهم، وليس مرادهم أن آلهتهم تخلق أو ترزق، أو تنفع أو تضر بنفسها، فإن ذلك يبطله ما ذكره الله عنهم في القرآن، وأنهم أرادوا شفاعتهم وجاههم، وتقريبهم إلى الله زلفى، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ...﴾ [يونس: 18]، فرد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿...قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [يونس: 18]، فأبان سبحانه أنه لا يَعلم في السماوات ولا في الأرض شفيعًا عنده على الوجه الذي يقصده المشركون، وما لا يَعلم الله وجوده لا وجود له؛ لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء. وقال تعالى: ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ 1 إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ2 أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ3﴾ [الزُّمَر: 1-3].
ومعنى الدين هنا: العبادة، وهي: طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ -كما سلف-، ويدخل فيها: الدعاء والاستغاثة، والخوف والرجاء، والذبح والنذر، كما يدخل فيها: الصلاة والصوم، وغير ذلك مما أمر به الله ورسوله. فأبان سبحانه أن العبادة له وحده، وأنه يجب على العباد إخلاصها له جل جلاله؛ لأن أمره للنبي ﷺ بإخلاص العبادة له، أمر لجميع أبناء هذه الأمة.
ثم بين الله عز وجل بعد ذلك عن الكفار فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾ [الزُّمَر: 3]. فرد الله عليهم بقوله سبحانه: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ [الزُّمَر: 3]، فأخبر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة: أن الكفار ما عبدوا الأولياء من دونه إلا ليقربوهم إلى الله زلفى؛ وهذا هو مقصد الكفار قديمًا وحديثًا، وقد أبطل الله ذلك بقوله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ [الزُّمَر: 3]، فأوضح الله سبحانه: كذبهم في زعمهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى، وكفرهم بما صرفوا لها من العبادة، وبذلك يَعلم كل من له أدنى تمييز أن الكفار الأولين إنما كان كفرهم باتخاذهم الأنبياء والأولياء، والأشجار والأحجار، وغير ذلك من المخلوقات؛ شفعاء بينهم وبين الله، واعتقادهم أنهم يَقضون حوائجهم من دون إذنه ورضاه سبحانه وتعالى، كما تشفع الوزراء عند الملوك، فقاسوه جل جلاله على الملوك والزعماء، وقالوا: كما أن مَن له حاجة إلى الملك والزعيم يتشفع إليه بخواصه ووزرائه، فهكذا نحن نتقرب إلى الله بعبادة أنبيائه وأوليائه، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه سبحانه لا شبيه له، ولا يقاس بخلقه، ولا يَشفع أحد عنده إلا بإذنه في الشفاعة، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وهو أرحم الراحمين، لا يخشى أحدًا ولا يخافه؛ لأنه سبحانه هو القاهر فوق عباده، والمتصرف فيهم كيف يشاء، بخلاف الملوك والزعماء، فإنهم لا يقدرون على كل شيء، فلذلك يحتاجون إلى من يعينهم على ما قد يعجزون عنه؛ من وزرائهم وخواصهم وجنودهم، كما يحتاجون إلى تبليغهم حاجات من لا يعلمون حاجته، فيحتاجون إلى من يستعطفهم ويسترضيهم من وزرائهم وخواصهم، أما الرب عز وجل فهو سبحانه غني عن جميع خلقه، وهو أرحم بهم من أمهاتهم، وهو الحاكم العدل، يضع الأِياء في مواضعها، على مقتضى حكمته وعمله وقدرته، فلا يجوز أن يقاس بخلقه بوجه من الوجوه، ولهذا أوضح سبحانه في كتابه: أن المشركين قد أقروا بأنه الخالق الرازق المدبر، وأنه هو الذي يجيب المضطر، ويكشف السوء، ويحيي ويميت، إلى غير ذلك من أفعاله سبحانه. ولقد كانت الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده، كما قال جل جلاله: ﴿َوَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...﴾ [الزُّخرُف: 87]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ31﴾ [يونس: 31]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد سبق: ذكر الآيات الدالة على أن النزاع بين الرسل وبين الأمم، إنما هو في إخلاص العبادة لله وحده، كقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36]، وما جاء في معناها من الآيات. وبَيَّن سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه الكريم شأن الشفاعة، فقال تعالى: ﴿َ...مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِ...﴾ [البقرة: 255]، وقال عز وجل: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ26﴾ [النجم: 26].
وقال في وصف الملائكة: ﴿...وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 28].
وأخبر جل جلاله أنه لا يرضى من عباده الكفر، وإنما يرضى منهم الشكر، والشكر هو توحيده والعمل بطاعته، فقال تعالى: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡ...﴾ [الزُّمَر: 7].
وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﭬ أنه قال: يا رسول الله! مَن أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ». أو قال: «مِنْ نَفْسِهِ».
وفي الصحيح عن أنس ﭬ عن النبي ﷺ أنه قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وجميع ما ذكرنا من الآيات والأحاديث يدل على أن العبادة حق الله وحده، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، لا للأنبياء ولا لغيرهم، وأن الشفاعة مِلك لله جل جلاله، كما قال سبحانه: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗا...﴾ [الزُّمَر: 44] ولا يستحقها أحد إلا بعد إذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع فيه، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد -كما سبق-. وبناء عليه: فإن المشركين لا حظ لهم في الشفاعة، وقد أوضح الله هذا في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ 48﴾ [المُدَّثر: 48]، وقال تعالى: ﴿...مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18].
ومعلوم أن الظلم عند الإطلاق هو الشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿...وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، وقال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13].
أما ما ذكرته في السؤال: من قول بعض الصوفية في المساجد وغيرها: اللهم صل على من جعلته سببًا لانشقاق أسرارك الجبروتية، وانفلاقًا لأنوارك الرحمانية، فصار نائبًا عن الحضرة الربانية، وخليفة أسرارك الذاتية.. إلخ.
فالجواب: أن يقال: إن هذا الكلام وأشباهه من جملة التكلف والتنطع؛ الذي حذر منه نبينا محمد ﷺ؛ فيما رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا.
قال الإمام الخطابي رحمه الله: "المتنطع: المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه؛ على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم".
وقال أبو السعادات ابن الأثير: "هم المتعمقون المغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استُعمل في كل متعمق قولًا وفعلًا".
وبما ذكره هذان الإمامان من أئمة اللغة، يتضح لك ولكل من له أدنى بصيرة، أن هذه الكيفية في الصلاة والسلام على نبينا وسيدنا رسول الله ﷺ؛ من جملة التكلف والتنطع المنهي عنه. والمشروع للمسلم في هذا الباب أن يتحرى الكيفية الثابتة عن رسول الله ﷺ في صفة الصلاة والسلام عليه، وفي ذلك غنية عن غيره.
ومن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، أن الصحابة رضي الله عنهما قالوا: يا رسول الله! أمرنا الله أن نصلي عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ فقال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وفي الصحيحين عن أبي حُميد الساعدي رضي الله عنه: أنهم قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﭬ قال: قال بشير بن سعد: يا رسول الله! أمرَنا الله أن نصلي عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ فسكتَ ثم قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمتُم».
فهذه الألفاظ وأشباهها وغيرها -مما ثبت عن النبي ﷺ- هي التي ينبغي للمسلم أن يستعملها في صلاته وسلامه على رسول الله ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ هو أعلم الناس بما يليق أن يُستعمل في حقه، كما أنه أعلم الناس بما ينبغي أن يُستعمل في حق ربه من الألفاظ.
أما الألفاظ المتكلفة والمحدَثة، والألفاظ المحتملة لمعنى غير صحيح؛ كالألفاظ التي ذُكرت في السؤال، فإنه لا ينبغي استعمالها؛ لما فيها من التكلف، ولكونها قد تُفسَّر بمعانٍ باطلة، مع كونها مخالفة للألفاظ التي اختارها رسول الله ﷺ وأرشد إليها أمته، وهو أعلم الخلق وأنصحهم وأبعدهم عن التكلف، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
هذا وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة في بيان حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك، والفرق بين ما كان عليه المشركون الأولون، والمشركون المتأخرون في هذا الباب، وفي بيان كيفية الصلاة المشروعة على رسول الله ﷺ كفاية ومقنع لطالب الحق. أما من لا رغبة له في معرفة الحق؛ فهذا تابع لهواه، قال الله جل جلاله: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ50﴾ [القصص: 50].
فَبَيَّن سبحانه في هذه الآية الكريمة: أن الناس بالنسبة إلى ما بعث الله به نبيَّه محمدًا ﷺ من الهدى ودين الحق قسمان:
أحدهما: مستجيب لله ولرسوله.
والثاني: تابع لهواه؛ ثم أخبر سبحانه أنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدًى من الله.
فنسأل الله ـ جل جلاله ـ العافية من اتباع الهوى، وأن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من المستجيبين لله ولرسوله ﷺ، والمعظِّمين لشرعه، والمحذرين من كل ما يخالف شرعه من البدع والأهواء.. إنه جواد كريم.
وصلى الله على عبده ورسوله؛ نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
الرسالة الخامسة:
حُكْمُ الْاِحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَالِدِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أَمَّا بَعْدُ: فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ، والقيام له في أثناء ذلك، وإلقاء السلام عليه، وغير ذلك مما يُفعل في الموالد.
والجواب أن يقال: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدَثة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسُّنَّة، وأكمل حبًّا لرسول الله ﷺ، ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه المبين: ﴿...وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ...﴾ [الحشر: 7]. وقال جل جلاله: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال سبحانه: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21]، وقال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ100﴾ [التوبة: 100]، وقال تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]. والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ». أي: مردود عليه، وقال في حديث آخر: «عَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيَّينَ مِنْ بَعدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ». ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع، والعمل بها،
وإحداث مثل هذه الموالد يُفهم منه أن الله سبحانه لم يُكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به، حتى جاء هؤلاء المتأخرون، فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به؛ زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقًا يوصل إلى الجنة، ويباعد من النار إِلَّا بَيَّنه للأمّة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﭬ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِن نَبِيٍ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيهِ أَن يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ». رواه مسلم في صحيحه.
ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغًا ونصحًا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبَيَّنه الرسول ﷺ للأمَّة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه رضي الله عنهم، فَلَمَّا لم يَقع شيء من ذلك عُلم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدَثات التي حذَّر الرسول ﷺ منها أمته، كما تقدم ذكر ذلك في الأحاديث. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد، والتحذير منها؛ عملًا بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين: فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات؛ كالغلو في رسول الله ﷺ، وكاختلاط النساء بالرجال، واستعمال آلات الملاهي، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر، وظنوا أنها من البدع الحسنة.
والقاعدة الشرعية: رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ، كما قال الله جل جلاله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النساء: 59]، وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ...﴾ [الشورى: 10].
وقد ردَدنا هذه المسألة: وهي: الاحتفال بالموالد إلى كتاب الله سبحانه، فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ؛ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا، وأمرنا باتباع الرسول فيه.
وقد رددنا ذلك -أيضًا -: إلى سنة الرسول ﷺ؛ فلم نجد فيها أنه فعله، ولا أمر به، ولا فعله أصحابه رضي الله عنهم؛ فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدَثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.
وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه: أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام، بل هو من البدع المحدثات، التي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ بتركها والحذر منها، وأنه لا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يُعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يُعرف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ111﴾ [البقرة: 111]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...﴾ [الأنعام: 116]،
ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع كونها بدعة لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى؛ كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك، وهو الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به، وطلبه المدد، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِيَّاكُم وَالغُلُوُّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُم الغُلُوَّ فِي الدِّينِ». وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبدٌ، فَقُولُوا: عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه». خَرَّجه البخاري في صحيحه، من حديث عمر رضي الله عنه.
ومن العجائب والغرائب: أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها، ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجُمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأسًا، ولا يرى أنه أتى منكرًا عظيمًا، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان، وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين.
ومن ذلك: أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد؛ ولهذا يقومون له مُحيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ15 ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ16﴾ [المؤمنون: 15، 16].
وقال النبي ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوًّلُ مُشَفَّعٍ». عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
فهاتان الآيتان الكريمتان، والحديث الشريف، وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث: كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات، إنما يَخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مُجمع عليه بين علماء المسلمين؛ وليس فيه نزاع بينهم، فينبغي لكل مسلم أن يتنبه لهذه الأمور، وأن يحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات؛ التي ما أنزل الله بها من سلطان، واللهُ المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.
أما الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ: فهي من أفضل القربات، ومن الأعمال الصالحات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً؛ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ بِهَا عَشْرًا». وهي مشروعة في جميع الأوقات، ومتأكدة في آخر كل صلاة، بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة. وتتأكد سنيتها في مواضع كثيرة؛ منها ما بعد الأذان، وعند ذكره عليه الصلاة والسلام، وفي يوم الجمعة وليلتها، كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة.
والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يمن على الجميع بلزوم السُّنَّة، والحذر من البدعة، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الرسالة السادسة:
حُكْمُ الْاِحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أَمَّا بَعْدُ:
فَلَا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدَّالة على صدق رسوله محمد ﷺ، وعلى عظم منزلته عند الله جل جلاله، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة، وعلى علوه سبحانه وتعالى على جميع خلقه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ1﴾ [الإسراء: 1].
وتواتر عن رسول الله ﷺ أنه عُرج به إلى السماوات، وفُتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة، فكلمه ربه سبحانه بما أراد، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله سبحانه فرضها أولًا خمسين صلاة، فلم يزل نبينا محمد ﷺ يراجعه ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسًا، فهي خمس في الفرض، وخمسون في الأجر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.
وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبَيَّنه الرسول ﷺ للأمّة؛ إما بالقول وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعُرف واشتهر، ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا، فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمّة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعًا لكانوا أسبق الناس إليه. والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الله لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه، فَلَمَّا لم يقع شيء من ذلك؛ عُلم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسَا من الإسلام في شيء، وقد أكمل الله لهذه الأمّة دينها، وأتم عليها النعمة، وأنكر على مَن شرع في الدين ما لم يأذن به الله، فقال سبحانه وتعالى في كتابه المبين: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، وقال جل جلاله: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ21﴾ [الشورى: 21].
وثبت عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: التحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة؛ تنبيهًا للأمة على عظم خطرها، وتنفيرًا لهم من اقترافها، ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدٌّ». وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرَنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ». وفي صحيح مسلم عن جابر ﭬ قال: كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أَمَا بَعْدَ، فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». زاد النسائي بسندٍ جيد: «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». وفي السنن عن العرباض بن سارية ﭬ أنه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصِنا، فقال: «أُوصِيكُم بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُم عَبدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُم فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخلُفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد ثبت عن أصحاب رسول الله ﷺ، وعن السلف الصالح بعدهم؛ التحذير من البدع والترهيب منها؛ وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين، وشرعٌ لم يأذن به الله، وتشبُّه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقول الله جل جلاله: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ...﴾ [المائدة: 3]، والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام المحذرة من البدع والمنفرة منها.
هذا، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه مِن الأدلة كفاية وإقناع لطالب الحق في إنكار هذه البدعة؛ أعني: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، والتحذير منها، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء.
وَلِمَا أوجب الله من النصح للمسلمين، وبيان ما شرع الله لهم من الدين، وتحريم كتمان العلم؛ رأيت تنبيه إخواني المسلمين على هذه البدعة، التي قد فشت في كثير من الأمصار، حتى ظنها بعض الناس من الدين.
واللهَ المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق والثبات عليه، وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
الرسالة السابعة:
حُكْمُ الْاِحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد نبي التوبة والرحمة.
أَمَّا بَعْدُ: فقد قال الله تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ...﴾ [الشورى: 21]، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدٌّ». وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبة الجمعة: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل دلالة صريحة على أن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لهذه الأمة دينها، وأتمَّ عليها نعمته، ولم يتوف نبيه عليه الصلاة والسلام إلا بعد ما بلغ البلاغ المبين، وبين للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال، وأوضح ﷺ أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى دين الإسلام من أقوال أو أعمال؛ فكله بدعة مردود على من أحدثه، ولو حسن قصده، وقد عَرف هذا الأمر أصحاب رسول الله ﷺ، وهكذا أيضًا علماء الإسلام بعدهم، فأنكروا البدع، وحذروا منها، كما ذكر ذلك كل من صنف في تعظيم السُّنَّة وإنكار البدعة؛ كابن وضاح، والطرطوشي، وأبي شامة، وغيرهم.
وإن من البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة، لا يجوز الاعتماد عليها.
أما ما ورد في فضل الصلاة فيها؛ فكله موضوع، كما نَبَّه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم إن شاء الله.
وورد فيها ـ أيضًا ـ آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم.
والذي أجمع عليه جمهور العلماء أن الاحتفال بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، وبعضها موضوع، وممن نبَّه على ذلك: الحافظ ابن رجب، في كتابه: (لطائف المعارف)، وغيره، ومعلوم أن الأحاديث الضعيفة إنما يُعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة. وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وأنا أنقل لك ـ أيها القارئ ـ ما قاله بعض أهل العلم في هذه المسألة، حتى تكون على بينة في ذلك.
وقد أجمع العلماء ـ رحمهم الله ـ على أن الواجب: رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب الله جل جلاله، وإلى سنة رسول الله ﷺ، فما حكمَا به أو أحدهما فهو الشرع الواجب الاتباع، وما خالفهما وجب إطراحه، وما لم يَرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله، فضلًا عن الدعوة إليه وتحبيذه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا59﴾ [النساء: 59]، وقال تعالى: ﴿َمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ...﴾ [الشورى: 10]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ...﴾ [آل عمران: 31]، وقال جل جلاله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا65﴾ [النساء: 65]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة، ووجوب الرضى بحكمهما، وأن ذلك هو مقتضى الإيمان، وخيرٌ للعباد في العاجل والآجل، وأحسنُ تأويلًا: أي عاقبة.
قال الحافط ابن رجب ـ رحمه الله ـ في كتابه: (لطائف المعارف) في هذه المسألة ـ بعد كلام سبق ـ ما نصه:
«وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك؛ فمنهم من قبله منهم، ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عُبَّاد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مُلَيكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة.
واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يُستحب إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يَلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون ويتكحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يُكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يُكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى». إلى أن قال: «ولا يُعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان، ويتخرَّج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه (في رواية) لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه، واستحبها (في رواية)، لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف، لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام».
انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله، وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في ليلة النصف من شعبان.
وأما ما اختاره الأوزاعي رحمه الله من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول، فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا، لم يجز للمسلم أن يُحدثه في دين الله، سواء فعله مفردًا أو في جماعة، وسواء أسرَّه أو أعلنه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ». وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها.
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ـ رحمه الله ـ في كتابه: «الحوادث والبدع» ما نصه:
«وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم، قال: ما أدركنا أحدًا من مَشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلًا على ما سواها».
وقيل لابن أبي مُلَيكة: إن زيادًا النميري يقول: «إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر»، فقال: «لو سمعته وبيدي عصا لضربته» وكان زياد قاصًّا، انتهى المقصود.
وقال العلامة الشوكاني ـ رحمه الله ـ في كتاب: «الفوائد المجموعة» ما نصه:
«حديث: «يا علي من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد؛ عشر مرات؛ قضى الله له كل حاجة» إلخ. هو موضوع، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وقال في: «المختصر»: حديث صلاة نصف شعبان باطل، ولابن حبان من حديث علي: «إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها»، ضعيف. وقال في: «اللآلئ»: «مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات» مع طول فضله، للديلمي وغيره موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء، قال: «واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة». موضوع، «وأربع عشرة ركعة» موضوع.
وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء؛ كصاحب (الإحياء) وغيره وكذا من المفسرين، وقد رويت صلاة هذه الليلة ـ أعني: ليلة النصف من شعبان ـ على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها لذهابه ﷺ إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا، وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة، على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع، كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها، لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة، على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه» انتهى المقصود.
وقال الحافظ العراقي: «حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله ﷺ وكذبٌ عليه»، وقال الإمام النووي في كتاب: (المجموع): «الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب: (قوت القلوب)، و(إحياء علوم الدين)، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك».
وقد صنف الشيخ الإمام: أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابًا نفيسًا في إبطالهما، فأحسنَ فيه وأجاد، وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير جدًّا، ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلام في هذه المسألة، لطال بنا الكلام، ولعل فيما ذكرنا كفاية وإقناعاً لطالب الحق.
ومن خلال ما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم: يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام؛ بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله جل جلاله: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ...﴾ [المائدة: 3]. وما جاء في معناها من الآيات، وقول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». وما جاء في معناه من الأحاديث.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﭬ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَهَا بِالصِّيَامِ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». فلو كان تخصيص شيء من الليالي، بشيء من العبادة جائزًا، لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها؛ لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس، بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فَلَمَّا حذر النبي ﷺ من تخصيصها بقيام من بين الليالي، دَلَّ ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى، لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إِلَّا بدليل صحيح يدل على التخصيص.
وَلَمَّا كانت ليلة القدر وليالي رمضان يُشرع قيامها والاجتهاد فيها، نَبَّه النبي ﷺ على ذلك، وَحَثَّ الأمة على قيامها، وفعل ذلك بنفسه، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب أو ليلة الإسراء والمعراج يُشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة، لأرشد النبي ﷺ الأمة إليه، أو فَعله بنفسه، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهما إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم.
وقد عرفتَ آنفًا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعُلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة، بدعة منكرة، وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب، التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة، كما لا يجوز الاحتفال بها؛ للأدلة السابقة، هذا لو عُلمت، فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تُعرف، وقول من قال: أنها ليلة سبع وعشرين من رجب، قول باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة، ولقد أحسن من قال:
وخير الأمور السالفات على الهدى
وشر الأمور المحدثات البدائع
واللهَ المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسُّنَّة والثبات عليها، والحذر مما خالفها، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرسالة الثامنة:
تَنبِيهٌ هَامٌّ عَلَى كَذِبِ الوَصِيَّةِ المَنْسُوبَةِ لِلشَّيخِ أَحْمَدَ خَادِمِ الحَرَمِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، حفظهم الله بالإسلام، وأعاذنا وإياهم من شر مفتريات الجهلة الطغام، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أَمَّا بَعْدُ:
فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف، بعنوان: «هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف»، قال فيها:
«كنت ساهرًا ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم، وبعد تلاوة قراءة أسماء الله الحسنى، فَلَمَّا فرغت من ذلك تهيأت للنوم، فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله ﷺ الذي أتى بالآيات القرآنية، والأحكام الشريفة؛ رحمة بالعالمين سيدنا محمد ﷺ، فقال: يا شيخ أحمد، قلتُ: لبيك يا رسول الله، يا أكرم خلق الله، فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة، ولم أقدر أن أقابل ربي ولا الملائكة؛ لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام -ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي، ثم قال: - فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار. ثم ذكر بعض أشراط الساعة، إلى أن قال: - فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية؛ لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومَن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل، يُبنى له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرًا أغناه الله، أو كان مديونًا قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة، وقال: والله العظيم ثلاثًا هذه حقيقة، وإن كنت كاذبًا أخرج من الدنيا على غير الإسلام، ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن يُكذب بها كفر».
هذه خلاصة ما في الوصية المكذوبة على رسول الله ﷺ، ولقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة منذ سنوات متعددة، تُنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر، وتُروَّج بين الكثير من العامّة، وفي ألفاظها اختلاف، وكاذبها يقول: إنه رأى النبي ﷺ في النوم، فحمله هذه الوصية، وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرنا لك أيها القارئ زعم المفتري فيها أنه رأى النبي ﷺ عندما تهيأ للنوم، فالمعنى: أنه رآه يقظة!
زعمَ هذا المفتري في هذه الوصية أشياء كثيرة؛ هي من أوضح الكذب، وأبين الباطل، سأنبهك عليها قريبًا في هذه الكلمة إن شاء الله، ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية، وبينت للناس أنها من أوضح الكذب، وأبين الباطل، فَلَمَّا اطلعت على هذه النشرة الأخيرة ترددت في الكتابة عنها، لظهور بطلانها، وعظم جراءة مفتريها على الكذب، وما كنت أظن أن بطلانها يروج على من له أدنى بصيرة، أو فطرة سليمة، ولكن أخبرني كثير من الإخوان أنها قد راجت على كثير من الناس، وتداولوها بينهم وصدَّقها بعضهم؛ فمِن أجل ذلك رأيت أنه يتعين على أمثالي الكتابة عنها، لبيان بطلانها، وأنها مفتراة على رسول الله ﷺ حتى لا يغتر بها أحد، ومن تأمَّلها من ذوي العلم والإيمان، أو ذوي الفطرة السليمة والعقل الصحيح؛ عرف أنها كذب وافتراء من وجوه كثيرة.
ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أحمد المنسوبة إليه هذه الفرية، عن هذه الوصية، فأجابني: بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد، وأنه لم يقلها أصلًا، والشيخ أحمد المذكور قد مات من مدة، ولو فرضنا أن الشيخ أحمد المذكور، أو من هو أكبر منه، زعم أنه رأى النبي ﷺ في النوم أو اليقظة، وأوصاه بهذه الوصية، لعلمنا يقينًا أنه كاذب، أو أن الذي قال له ذلك شيطان، ليس هو الرسول ﷺ لوجوه كثيرة منها:
أولًا: أن الرسول ﷺ لا يُرَى في اليقظة بعد وفاته ﷺ، ومَن زعم من جهلة الصوفية أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة، أو أنه يحضر المولد، أو ما شابه ذلك؛ فقد غلط أقبح الغلط، ولبس عليه غاية التلبيس، ووقع في خطأ عظيم، وخالف الكتاب والسُّنَّة وإجماع أهل العلم؛ لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذبًا بينًا، أو غالطٌ ملبَّس عليه، لم يَعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح، ودرج عليه أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ15 ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ16﴾ [المؤمنون: 15، 16]، وقال النبي ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ثانياً: أن الرسول ﷺ لا يقول خلاف الحق، لا في حياته ولا في وفاته، وهذه الوصية تخالف شريعتَه مخالفة ظاهرة، وذلك من وجوه كثيرة ـ كما يأتي ـ، وهو ﷺ قد يُرَى في النوم، ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه؛ لأن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف، ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وأمانته، وهل رأى النبي ﷺ في صورته أو في غيرها.
ولو جاء عن النبي ﷺ حديث قاله في حياته، من غير طريق الثقات العدول الضابطين لم يُعتمد عليه، ولم يحتج به، أو جاء من طريق الثقات الضابطين، ولكنه يخالف رواية مَن هو أحفظ منهم، وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين، لكان أحدهما منسوخًا لا يُعمل به، والثاني: ناسخ يُعمل به، حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يُمكن الجمع ولا النسخ وجب أن تُطرح رواية من هو أقل حفظًا، وأدنى عدالةً، والحكم عليها بأنها شاذة لا يُعمل بها.
فكيف بوصية لا يعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله ﷺ، ولا تعرف عدالته وأمانته، فهي والحالة هذه حقيقة بأن تُطرح ولا يلتفت إليها، وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع، فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها، وأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ، ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله؟!
وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ؛ فَلْيَتَـبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله ﷺ ما لم يَقل، وكذب عليه كذبًا صريحًا خطيرًا، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم، وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة، وينشر للناس كذب هذه الوصية على رسول الله ﷺ؛ لأن من نشر باطلًا بين الناس، ونسبه إلى الدين؛ لم تصح توبته منه إِلَّا بإعلانها وإظهارها؛ حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه، وتكذيبه لنفسه؛ لقول الله جل جلاله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ159 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ160﴾ [البقرة: 159، 160]، فأوضح سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة: أن من كتم شيئًا من الحق لم تصح توبته من ذلك إِلَّا بعد الإصلاح والتبيين، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله محمد ﷺ، وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل، ولم يقبضه إليه إلا بعد الإكمال والتبيين، كما قال جل جلاله: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]
ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر، يريد أن يُلبس على الناس دينًا جديدًا، يترتب عليه دخول الجنة لمن أخذ بتشريعه، وحرمان الجنة ودخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه، ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل، حيث افترى فيها: أن من كتبها وأرسلها من بلد إلى بلد، أو مِن محل إلى محل؛ بُني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة، وهذا من أقبح الكذب، ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية، وقلة حياء مفتريها، وعظم جرأته على الكذب؛ لأن مَن كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد، أو من محل إلى محل؛ لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يَعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد. ومَن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد، لم يُحرم شفاعة النبي ﷺ إذا كان مؤمنًا به، تابعًا لشريعته، وهذه الفرية الواحدة في هذه الوصية، تكفي وحدها للدلالة على بطلانها وكذب ناشرها، ووقاحته وغباوته وبُعده عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ من الهُدى.
وفي هذه الوصية ـ سوى ما ذُكر ـ أمور أخرى، كلها تدل على بطلانها وكذبها، ولو أقسم مفتريها ألف قسم أو أكثر على صحتها، ولو دعا على نفسه بأعظم العذاب وأشد النكال، على أنه صادق؛ لم يكن صادقًا، ولم تكن صحيحة، بل هي واللهِ ثم واللهِ، من أعظم وأقبح الباطل، ونحن نُشهد الله سبحانه ومن حضرنا من الملائكة، ومن اطلع على هذه الكتابة من المسلمين ـ شهادة نلقى بها ربنا جل جلاله ـ: أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله ﷺ، أخزى الله مَن كذبها وعامَله بما يستحق.
ويدل على كذب هذه الوصية وبطلانها سوى ما تقدم أمور كثيرة من نصها الذي ذكر، منها:
الأمر الأول: قوله فيها: (لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفًا على غير دين الإسلام)؛ لأن هذا من علم الغيب، والرسول ﷺ قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته، وهو في حياته لا يَعلم الغيب فكيف بعد وفاته؛ لقول الله سبحانه: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ...﴾ [الأنعام: 50] وقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُ...﴾ [النمل: 65]، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يُذَادُ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيُقَالُ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117]».
الأمر الثاني: -مِن الأمور الدَّالة على بطلان هذه الوصية، وأنها كذب-: قوله فيها: (من كتبها وكان فقيرًا أغناه الله، أو مديونًا قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية) إلى آخره. وهذا من أعظم الكذب، وأوضح الدلائل على كذب مفتريها، وقلة حيائه من الله ومن عباده؛ لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الباطلة؟! وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس، وتعليقهم بهذه الوصية؛ حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم، ويتركوا الأسباب التي شرعها الله لعباده، وجعلها موصلة إلى الغنى وقضاء الدَّين، ومغفرة الذنوب، فنعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان.
الأمر الثالث: -مِن الأمور الدَّالة على بطلان هذه الوصية-، قوله فيها: (ومن لم يكتبها من عباد الله؛ اسود وجهه في الدنيا والآخرة). وهذا ـ أيضًا ـ من أقبح الكذب، ومِن أبين الأدلة على بطلان هذه الوصية، وكذب مفتريها، كيف يجوز في عقل عاقل أن يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر، يفتريها على رسول الله ﷺ ويزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن كتبها كان غنيًّا بعد الفقر، وسليمًا من الدين بعد تراكمه عليه، ومغفورًا له ما جناه من الذنوب!!
سبحانك هذا بهتان عظيم!! وإن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري، وعظم جرأته على الله، وقلة حيائه من الله ومن الناس، فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتبوها، فلم تسود وجوههم، وهاهنا جمع غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة، فلم يُقض دينهم، ولم يزل فقرهم، فنعوذ بالله من زيغ القلوب، ورين الذنوب، وهذه صفاتٌ وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب وصية مكذوبة مشتملة على أنواع من الباطل، وجُمل كثيرة من أنواع الكفر، سبحان الله!! ما أحلمه على من اجترأ عليه بالكذب.
الأمر الرابع: -مِن الأمور الدالة على أن هذه الوصية من أبطل الباطل، وأوضح الكذب-: قوله فيها: (ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذب بها كفر)، وهذا ـ أيضًا ـ من أعظم الجرأة على الكذب، ومن أقبح الباطل، يدعو هذا المفتري جميع الناس، إلى أن يصدقوا بفريته، ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار، وأن من كذب بها يَكفر، لقد أعظمَ ـ واللهِ ـ هذا الكذاب على الله الفرية، وقال ـ والله ـ غير الحق، إن من صدق بها فإنه هو الذي يستحق أن يكون كافرًا لا من كذب بها؛ لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة، ونحن نشهد الله على أنها كذب، وأن مفتريها كذاب، يريد أن يشرع للناس ما لم يأذن به الله، ويُدخل في دينهم ما ليس منه، والله قد أكمل الدين وأتمَّه لهذه الأمة من قبل هذه الفرية بأربعة عشر قرنًا. فانتبهوا: أيها القراء والإخوان، وإياكم والتصديق بأمثال هذه المفتريات، وأن يكون لها رواج فيما بينكم، فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه، فاطلبوا الحق بدليله، واسألوا أهل العلم عَمَّا أَشكل عليكم، ولا تغتروا بحلف الكذابين، فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم آدم وحواء، على أنه لهما من الناصحين، وَهُوَ أعظم الخائنين وأكذب الكذابين، كما حكى الله عنه ذلك فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ21﴾ [الأعراف: 21]. فاحذروه، واحذروا أتباعه من المفترين، فكَم له ولهم من الأيمان الكاذبة، والعهود الغادرة، والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل! وَأَمَّا ما ذكره هذا المفتري من ظهور المنكرات؛ فهو أمر واقع، والقرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة قد حذرَا منها غاية التحذير، وفيهما الهداية والكفاية.
وَأَمَّا ما ذكر عن شروط الساعة، فقد أوضحَت الأحاديث النبوية ما يكون من أشراط الساعة، وأشار القرآن الكريم إلى بعض ذلك، فمن أراد أن يَعلم ذلك وجده في محله من كتب السُّنَّة، ومؤلفات أهل العلم والإيمان، وليس بالناس حاجة إلى بيان مثل هذا المفتري وتلبيسه، ومزجه الحق بالباطل. عصمني الله وإياكم وسائر المسلمين من شر الشياطين، وفتن المضلين، وزيغ الزائغين، وتلبيس أعداء الله المبطلين، الذين يريدون أن يطفئوا نور اللهِ بأفواههم، ويُلبسوا على الناس دينهم، والله متم نوره، وناصر دينه، ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتباعهم من الكفار والملحدين. ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يمن عليهم باتباع الحق، والاستقامة عليه والتوبة إلى الله سبحانه من سائر الذنوب، فإنه التواب الرحيم القادر على كل شيء. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
الرسالة التاسعة
حُكْمُ السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فنظرًا لكثرة المشعوذين في الآونة الأخيرة ممن يدَّعون الطب ويعالجون عن طريق السحر أو الكهانة، وانتشارهم في بعض البلاد، واستغلالهم للسذج من الناس ممن يغلب عليهم الجهل؛ رأيت من باب النصيحة لله ولعباده أن أبين ما في ذلك من خطر عظيم على الإسلام والمسلمين؛ لما فيه من التعلق بغير الله تعالى، ومخالفة أمره وأمر رسوله ﷺ.
فأقول مستعينًا بالله تعالى: يجوز التداوي اتفاقًا، وللمسلم أن يذهب إلى دكتور أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك؛ ليشخص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية المباحة شرعًا؛ حسبما يعرفه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية ولا ينافي التوكل على الله، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى الداء وأنزل معه الدواء؛ عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، ولكنه سبحانه لم يجعل شفاء عباده فيما حرمه عليهم.
فلا يجوز للمريض أن يذهب إلى الكهنة الذين يدَّعون معرفة المغيبات؛ ليعرف منهم مرضه، كما لا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيب، أو يستحضرون الجن ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء حكمهم الكفر والضلال إذا ادعوا علم الغيب، وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».
وعن أبي هريرة ﭬ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ». رواه أبو داود وخرّجه أهل السنن الأربع، وصححه الحاكم عن النبي ﷺ بلفظ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
وعن عمران بن حصين ﭬ قال قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»، رواه البزار بإسناد جيد.
ففي هذه الأحاديث الشريفة: النهي عن إتيان العرافين والكهنة والسحرة وأمثالهم، وسؤالهم وتصديقهم، وفيها الوعيد على ذلك؛ فلا يجوز أن يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يأتي إليهم من الناس؛ فإنهم جهال لا يجوز اغترار الناس بهم؛ لأن الرسول ﷺ قد نهى عن إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم؛ لما في ذلك من المنكر العظيم، والخطر الجسيم والعواقب الوخيمة، ولأنهم كذبة فجرة، كما أن في هذه الأحاديث: دليلًا على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب؛ وذلك كفر، ولأنهما لا يتوصلان إلى مقصدهما إلا بخدمة الجن وعبادتهم من دون الله؛ وذلك كفر بالله وشرك به سبحانه، والمصدق لهم في دعواهم الغيب يكون مثلهم، وكل من تلقى هذه الأمور عمن يتعاطاها؛ فقد برئ منه رسول الله ﷺ، كما أنه لا يجوز للمسلم: أن يخضع لما يزعمونه علاجاً؛ كنمنمتهم بالطلاسم أو صب الرصاص، ونحو ذلك من الخرافات التي يعملونها؛ فإن هذا من الكهانة والتلبيس على الناس، ومن رضي بذلك فقد ساعدهم على باطلهم وكفرهم.
كما لا يجوز أيضًا لأحد من المسلمين أن يذهب إليهم؛ ليسألهم عمن سيتزوج ابنه أو قريبه، أو عما يكون بين الزوجين وأسرتيهما من المحبة والوفاء، أو العداوة والفراق ونحو ذلك؛ لأن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
فالواجب على ولاة الأمور وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان: إنكار إتيان الكهان والعرافين ونحوهم، ومنع من يتعاطى شيئاً من ذلك في الأسواق وغيرها والإنكار عليهم أشد الإنكار، والإنكار على من يجيء إليهم.
وهكذا السحر: فإنه من المحرمات الكفرية؛ كما قال الله عز وجل في شأن الملكين: ﴿...وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 102].
فدلت هذه الآيات الكريمة على أن السحر كفر وأن السحرة يفرقون بين المرء وزوجه، كما دلت على أن السحر ليس بمؤثر لذاته نفعًا ولا ضرًا، وإنما يؤثر بإذن الله الكوني القدري؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخير والشر.
كما دلت الآية الكريمة: على أن الذين يتعلمون السحر إنما يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، وأنه ليس لهم عند الله من خلاق، أي: (من حظ ونصيب)، وهذا وعيد عظيم يدل على شدة خسارتهم في الدنيا والآخرة، وأنهم باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان، ولهذا ذمهم الله سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: ﴿...وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 102]، والشراء هنا بمعنى البيع.
ولقد عظم الضرر، واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على ضعفاء العقول، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
نسأل الله العافية والسلامة من شر السحرة والكهنة وسائر المشعوذين، ونسأله سبحانه أن يقي المسلمين شرهم، وأن يوفق حكام المسلمين للحذر منهم، وتنفيذ حكم الله فيهم؛ حتى يستريح العباد من ضررهم وأعمالهم الخبيثة.. إنه جواد كريم.
ولقد شرع الله سبحانه لعباده: ما يتقون به شر السحر قبل وقوعه، وأوضح لهم سبحانه ما يعالج به بعد وقوعه؛ رحمة منه لهم، وإحسانًا منه إليهم، وإتمامًا لنعمته عليهم.
وفيما يلي بيان للأشياء التي يتقى بها خطر السحر قبل وقوعه، والأشياء التي يعالج بها بعد وقوعه من الأمور المباحة شرعًا، وبيان ذلك كما يلي:
أولًا: ما يتقى به خطر السحر قبل وقوعه؛ وأهم ذلك وأنفعه هو: التحصن بالأذكار الشرعية، والدعوات والمعوذات المأثورة، ومن ذلك قراءة: آية الكرسي -وهي أعظم آية في القرآن الكريم- خلف كل صلاة مكتوبة بعد السلام، وهي قوله سبحانه: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ255﴾ [البقرة: 255]، وقراءتها أيضًا: عند النوم، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي لَيْلَةٍ، لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ».
ومن ذلك قراءة: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ1﴾ و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ1﴾ و﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ1﴾، خلف كل صلاة مكتوبة وقراءة هذه السور الثلاث ثلاث مرات في أول النهار بعد صلاة الفجر، وفي أول الليل بعد صلاة المغرب.
ومن ذلك: قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل، وهما قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ285﴾ إلى آخر السورة.
لما صح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». والمعنى والله أعلم: كفتاه من كل سوء، ومن ذلك الإكثار من التعوذ بـ (كلمات الله التامات من شر ما خلق) في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البناء أو الصحراء، أو الجو أو البحر لقول النبي ﷺ: «مَن نَزَلَ مَنْزِلًا فَقالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ ذَلِكَ».
ومن ذلك: أن يقول المسلم في أول النهار وأول الليل ثلاث مرات: «بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ».
لصحة الترغيب في ذلك عن رسول الله ﷺ، وأن ذلك سبب للسلامة من كل سوء.
ثانيًا: ما يعالج به السحر بعد وقوعه، وهذا يكون أيضًا بأمور عدة:
أولها: الإكثار من الضراعة إلى الله، وسؤاله سبحانه أن يكشف الضرر، ويزيل البأس.
ثانيها: بذل الجهود في معرفة موضع السحر في أرض أو جبل أو غير ذلك؛ فإذا عرف واستخرج وأتلف بطل السحر، وهذا من أنفع علاج السحر.
ثالثها: الرقية بالأذكار والأوراد الشرعية، وهي كثيرة؛ من ذلك:
ما ثبت في قول رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَأْسَ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» يقولها ثلاثًا،
ومن ذلك: الرقية التي رقى بها جبرائيل النبي ﷺ وهي قوله: «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ» ويكرر ذلك ثلاث مرات.
ومن ذلك -وهذا علاج نافع للرجل إذا حبس من جماع أهله-: أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر فيدقها بحجر أو نحوه، ويجعلها في إناء، ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل ويقرأ فيها:
آية الكرسي، و ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ1﴾ [الكافرون: 1]، و ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ1﴾ [الإخلاص:1]، و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ1﴾ [الفلق: 1]، و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ1﴾ [الناس: 1]،
وآيات السحر التي في سورة الأعراف، وهي قوله سبحانه: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ117 فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ118 فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ119﴾ [الأعراف: 117-119]،
والآيات في سورة يونس، وهي قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ79 فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ80 فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ81 وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ82﴾ [يونس: 79-82]،
والآيات التي في سورة طه: ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ65 قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ66 فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ67 قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ68 وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ69﴾ [طه: 65-69].
وبعد قراءة ما ذكر في الماء يشرب منه ثلاث حسوات ويغتسل بالباقي، وبذلك يزول الداء إن شاء الله، وإن دعت الحاجة لاستعماله مرتين أو أكثر فلا بأس حتى يزول الداء.
فهذه الأذكار والتعوذات والطرق من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر وغيره من الشرور، وهي أيضًا أعظم سلاح لإزالة السحر بعد وقوعه؛ لمن حافظ عليها بصدق وإيمان، وثقة بالله، واعتماد عليه، وانشراح صدر لما دلت عليه.
هذا ما تيسر بيانه من الأمور التي يتقى بها السحر، ويعالج بها، والله ولي التوفيق.
وهنا تأتي مسألة مهمة، وهي علاج السجر بعمل السحرة الذي يتم عن طريق التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات؛ فهذا لا يجوز؛ لأنه من عمل الشيطان؛ بل من الشرك الأكبر؛ كما لا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين، واستعمال ما يقولون؛ لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم كذبة فجرة يدعون علم الغيب، ويلبسون على الناس، وقد حذر الرسول ﷺ من إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم كما سبق بيان ذلك في أول هذه الرسالة، فالواجب الحذر من ذلك، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن النشرة فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»، رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد جيد.
والنشرة هي حل السحر عن المسحور. ومراده ﷺ بكلامه هذا: النشرة التي يتعاطاها أهل الجاهلية، وهي: سؤال الساحر ليحل السحر، أو حله بسحر مثله من ساحر آخر.
وأما حله بالرقية والمعوذات الشرعية والأدوية المباحة فلا بأس بذلك كما تقدم، وقد نص على ذلك العلامة ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد رحمة الله عليهما، ونص على ذلك أيضًا: غيرهما من أهل العلم.
والله المسؤول أن يوفق المسلمين للعافية من كل سوء، وأن يحفظ عليهم دينهم، ويرزقهم الفقه فيه، والعافية من كل ما يخالف شرعه.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.
الرسالة العاشرة
التَّحْذِيرُ مِنْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى اَلْقُبُورِ
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أَمَّا بَعْدُ:
فقد اطلعت على ما نُشر في العدد الثالث من مجلة رابطة العلوم الإسلامية في باب (أخبار المسلمين في شهر): أن رابطة العلوم الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية تنوي إشادة مسجد على الكهف الذي اكتشف حديثًا في قرية الرحيب، وهو الكهف الذي يقال: إن أهل الكهف الوارد ذكرهم في القرآن الكريم رقدوا فيه، انتهى.
ونظرًا لواجب النصح لله ولعباده؛ رأيتُ أن أوجه كلمة في المجلة نفسها لرابطة العلوم الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية؛ مضمونها: نصيحة الرابطة عن تنفيذ ما نوته من إشادة مسجد على الكهف المذكور؛ وما ذاك إِلَّا لأن إشادة المساجد على قبور الأنبياء والصالحين وآثارهم مما جاءت الشريعة الإسلامية الكاملة بالمنع منه والتحذير عنه، ولعن من فعله؛ لكونه من وسائل الشرك، والغلو في الأنبياء والصالحين، والواقع شاهد بصحة ما جاءت به الشريعة، ودليل على أنها من عند الله جل جلاله، وبرهان ساطع وحجة قاطعة على صدق رسول الله ﷺ فيما جاء به عن الله وبلغه الأمة. وكل من تأمل أحوال العالم الإسلامي، وما حصل فيه من الشرك والغلو؛ بسبب إشادة المساجد على الأضرحة، وتعظيمها وفرشها وتجميلها، واتخاذ السدَنة لها علم يقينًا أنها من وسائل الشرك، وأن من محاسن الشريعة الإسلامية المنع منها، والتحذير من إشادتها.
ومما ورد في ذلك ما رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمة الله عليهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، قالَتْ عَائِشَةُ: يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، قالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا».
وفي الصحيحين أيضًا «أن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال ﷺ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ؛ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ».
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله ﭬ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وقد نص الأئمة من علماء المسلمين من جميع المذاهب الأربعة وغيرهم على النهي عن اتخاذ المساجد على القبور، وحذروا من ذلك؛ عملًا بسنة الرسول ﷺ، ونصحًا للأمة وتحذيرًا لها أن تقع فيما وقع فيه مَن قبلها من غلاة اليهود والنصارى، وأشباههم من ضُلال هذه الأمة.
فالواجب على رابطة العلوم الإسلامية في الأردن، وعلى غيرها من المسلمين: الأخذ بالسُّنَّة، والسير على نهج الأئمة، والحذر مما حذر منه الله ورسوله؛ ففي ذلك صلاح العباد وسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة. وقد تعلق بعض الناس في هذا الباب بقوله جل جلاله في قصة أهل الكهف: ﴿...قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا﴾ [الكهف: 21].
والجواب عن ذلك: أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى أخبر عن الرؤساء وأهل السيطرة في ذلك الزمان أنهم قالوا هذه المقالة، وليس ذلك على سبيل الرضا والتقرير لهم، وإنما هو على سبيل الذم والعيب والتنفير من صنيعهم، ويدل على ذلك: أن الرسول ﷺ الذي أنزلت عليه هذه الآية، وهو أعلم الناس بتأويلها؛ قد نهى أمته عن اتخاذ المساجد على القبور، وحذرهم من ذلك، ولعن وذم مَن فعله.
ولو كان ذلك جائزًا لما شدَّد رسول الله ﷺ في ذلك التشديد العظيم، وبالغ في ذلك حتى لعن من فعله، وأخبر أنه من شرار الخلق عند الله عز وجل، وهذا فيه كفاية وإقناع لطالب الحق. ولو فرضنا أن اتخاذ المساجد على القبور جائز لمن قبلنا؛ لم يجز لنا التأسي بهم في ذلك؛ لأن شريعتنا ناسخة للشرائع قبلها، ورسولنا عليه الصلاة والسلام هو خاتم الرسل، وشريعته كاملة عامّة، وقد نهانا عن اتخاذ المساجد على القبور؛ فلم تَجز لنا مخالفته، ووجب علينا اتباعه، والتمسك بما جاء به، وترك ما خالف ذلك من الشرائع القديمة، والعادات المستحسنة عند مَن فعلها؛ لأنه لا أكمل من شرع الله، وَلَا هدي أحسن من هدي رسول الله ﷺ.
واللهَ المسؤول أن يوفقنا والمسلمين جميعًا للثبات على دينه، والتمسك بشريعة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام؛ في الأقوال والأعمال، والظاهر والباطن، وفي سائر الشئون حتى نلقى الله جل جلاله، إنه سميع قريب.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
الرسالة الحادية عشرة
دَفْنُ المَوْتَى فِي المَسَاجِدِ
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن اهتدى بهداه، أَمَّا بَعْدُ:
فقد اطلعت على صحيفة «الخرطوم» الصادرة في: ١٧/ ٤ / ١٤١٥هـ؛ فألفيتها قد نُشر فيها بيان بدفن السيد محمد الحسن الإدريسي بجوار أبيه في مسجدهم بمدينة أم درمان... إلخ.
وَلِمَا أوجب الله من النصح للمسلمين، وبيان إنكار المنكر؛ رأيتُ التنبيه على أن الدفن في المساجد أمر لا يجوز، بل هو من وسائل الشرك، ومن أعمال اليهود والنصارى التي ذمهم الله عليها، ولعنهم رسوله ﷺ، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، وفي صحيح مسلم، عن جندب بن عبد الله، عن النبي ﷺ، أنه قال: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على المسلمين في كل مكان ـ حكومات وشعوبًا ـ: أن يتقوا الله، وأن يحذروا ما نهى عنه، وأن يدفنوا موتاهم خارج المساجد، كما كان النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم يدفنون الموتى خارج المساجد، وهكذا أتباعهم بإحسان.
وَأَمَّا وجود قبر النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في مسجده ﷺ؛ فليس به حجة على دفن الموتى في المساجد؛ لأنه ﷺ دُفن في بيته ـ في بيت عائشة رضي الله عنها ـ، ثم دُفن صاحباه معه، فلما وسع الوليد بن عبد الملك المسجد أدخل الحجرة فيه على رأس المائة الأولى من الهجرة، وقد أنكر عليه ذلك أهل العلم، ولكنه رأى أن ذلك لا يمنع من التوسعة، وأن الأمر واضح لا يَشتبه.
وبذلك يتضح لكل مسلم: أنه ﷺ وصاحبيه رضي الله عنهما لم يُدفنوا في المسجد، وإدخالهم فيه بسبب التوسعة ليس بحجة على جواز الدفن في المساجد؛ لأنهم ليسوا في المسجد، وإنما هم في بيته عليه الصلاة والسلام، ولأن عمل الوليد لا يَصلح حجة لأحد في ذلك، وإنما الحجة في الكتاب والسُّنَّة، وفي إجماع سلف الأمة، رضي الله عنهم، وجعلنا من أتباعهم بإحسان.
وللنصح وبراءة الذمة جرى تحريره في: ١٤/ ٥/ ١٤١٥ هـ.
والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، وأتباعهم بإحسان.
الرسالة الثانية عشرة
بَيَانُ كُفْرِ وَضَلَالِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَحَدٍ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ: فقد اطلعت على المقال المنشور بجريدة الشرق الأوسط بعددها رقم (٥٨٢٤) وتاريخ ٥/ ٦/ ١٤١٥ هـ، كتبه من سمى نفسه: عبد الفتاح الحايك، تحت عنوان: (الفهم الخاطئ).
وملخص المقال: إنكاره لِمَا هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وبالنص والإجماع؛ وهو عموم رسالة محمد ﷺ إلى جميع الناس، وادعاؤه أن من لم يتبع محمدًا ﷺ ولم يطعه، بل بقي يهوديًّا أو نصرانيًّا فهو على دين حق، ثم تطاول على رب العالمين سبحانه في حكمته في تعذيب الكفار والعصاة، وجعل ذلك من العبث.
وقد قام بتحريف النصوص الشرعية، ووضعها في غير مواضعها، وفسرها بما يمليه هواه، وأعرض عن الأدلة الشرعية والنصوص الصريحة الدَّالة على عموم رسالة محمد ﷺ، وعلى كُفر من سمع به ولم يتبعه، وأن الله لا يَقبل غير الإسلام دينًا، إلى غير ذلك من النصوص الصريحة التي أعرض عنها؛ لينخدع بكلامه الجُهَّال، وهذا الذي فعله كفر صريح، وردة عن الإسلام، وتكذيب لله سبحانه وتعالى ولرسوله ﷺ، كما يَعلم ذلك مَن قرأ المقال من أهل العلم والإيمان.
والواجب على ولي الأمر: إحالته للمحكمة؛ لاستتابته، والحكم عليه بما يقتضيه الشرع المطهر.
والله سبحانه وتعالى قد بَيَّن عموم رسالة محمد ﷺ، ووجوب اتباعه على جميع الثقلين، وذلك لا يجهله من له أدنى مسكة من علم من المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ158﴾ [الأعراف: 158]. وقال تعالى: ﴿...وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ...﴾ [الأنعام: 19]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ31﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران: 85]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا...﴾ [سبأ: 28]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ107﴾ [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: ﴿...وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا1﴾ [الفرقان: 1].
وروى البخاري ومسلم، عن جابر رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، فَلْيُصَلّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً».
وهذا بيان صريح لعموم وشمول رسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع البشر، وأنها نَسخت جميع الشرائع المتقدمة، وأن من لم يتبع محمدًا ﷺ ولم يُطعه؛ فهو كافر عاصٍ، مستحق لعقابه، قال تعالى: ﴿...وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥ...﴾ [هود: 17]، وقال تعالى: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ14﴾ [النساء: 14]، وقال تعالى: ﴿...وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
واللهُ سبحانه قد قرن طاعة الرسول ﷺ بطاعته، وَبَيَّن أن من اعتقد غير الإسلام فهو خاسر، لا يقبل منه صرف ولا عدل، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيِّنة: 6].
وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ؛ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ».
وقد بيَّن رسول الله ﷺ بفعله وقوله بطلان ديانة من لم يدخل في دين الإسلام، فقد حارب اليهود والنصارى، كما حارب غيرهم من الكفار، وأخذ ممن أعطاه منهم الجزية؛ حتى لا يمنعوا وصول الدعوة إلى بقيتهم، وحتى يدخل من شاء منهم في الإسلام دون خوف من قومه أن يصدوه أو يمنعوه أو يقتلوه.
وقد روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﭬ قال: بينما نحن في المسجد خرج رسول الله ﷺ فقال: «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَنَادَاهُمْ فَقَالَ :يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ أُرِيدُ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ أُرِيدُ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ...». الحديث.
والمقصود: أنه ﷺ ذهب إلى أهل الديانة من اليهود في بيت مدراسهم، فدعاهم إلى الإسلام، وقال لهم: «أسلِموا تَسلَموا»، وكررها عليهم.
وكذلك: بعث بكتابه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ويخبره أنه إن امتنع فإن عليه إثم الذين امتنعوا من الإسلام بسبب امتناعه منه، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن هرقل دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فقرأه، فإذا فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ64﴾ [آل عمران: 64]».
ثُمَّ لَمَّا تولوا ورفضوا الدخول في الإسلام؛ قاتلهم ﷺ هو وأصحابه رضي الله عنهم، وفرض عليهم الجزية.
ولتأكيد ضلالهم وأنهم على دين باطل بعد نسخه بدين محمد ﷺ؛ أمر الله المسلم أن يسأل الله في كل يوم وفي كل صلاة وفي كل ركعة أن يهديه الصراط المستقيم الصحيح المتقبل، وهو: الإسلام، وأن يجنبه طريق المغضوب عليهم، وهم: اليهود وأشباههم الذين يَعلمون أنهم على باطل ويُصرون عليه، ويجنبه طريق الضالين الذين يتعبَّدون بغير علم، ويزعمون أنهم على طريق هدى، وهم على طريق ضلالة، وهم: النصارى، ومن شابههم من الأمم الأخرى التي تتعبد على ضلال وجهل، وكل ذلك: ليعلم المسلم علم اليقين أن كل ديانة غير الإسلام فهي باطلة، وأن كل من يتعبد لله على غير الإسلام فهو ضال، ومن لم يعتقد ذلك فليس من المسلمين. والأدلة في هذا الباب كثيرة من الكتاب والسُّنَّة.
فالواجب على صاحب المقال ـ عبد الفتاح ـ: أن يبادر بالتوبة النصوح، وأن يكتب مقالًا يعلن فيه توبته، ومن تاب إلى الله توبة صادقة؛ تاب الله عليه؛ لقول الله سبحانه: ﴿...وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 31]، وقوله سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا70﴾ [الفرقان: 68-70]، ولقول النبي ﷺ: «الإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَالتَّوبَةُ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا»، وقوله ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبَ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقًّا، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه، وأن يمن علينا وعلى الكاتب عبد الفتاح وعلى جميع المسلمين بالتوبة النصوح، وأن يعيذنا جميعًا من مُضلات الفتن وطاعة الهوى والشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الفهرس
الرسالة الأولى: العَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ وَمَا يُضَادُّهَا 2
الأصل الأول: الإيمان بالله تعالى 5
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة 16
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب 17
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل 19
الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر 20
الأصل السادس: الإيمان بالقدر 21
العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة 25
الرسالة الثانية: في حُكْمِ الِاسْتِغاثَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ 33
الرسالة الثالثة: في حُكْمِ الاستِغَاثَةِ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالنَّذْرِ لَهُمْ 45
الرسالة الرابعة: فِي حُكْمِ التَّعَبُّدِ بِالْأَوْرَادِ الْبِدْعِيَّةِ وَالشِّرْكِيَّةِ 61
الرسالة الخامسة: حُكْمُ الْاِحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَالِدِ 80
الرسالة السادسة: حُكْمُ الْاِحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ 89
الرسالة السابعة: حُكْمُ الْاِحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان 94
الرسالة الثامنة: تَنبِيهٌ هَامٌّ عَلَى كَذِبِ الوَصِيَّةِ المَنْسُوبَةِ لِلشَّيخِ أَحْمَدَ خَادِمِ الحَرَمِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ 107
الرسالة التاسعة: حُكْمُ السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا 121
الرسالة العاشرة: التَّحْذِيرُ مِنْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى اَلْقُبُورِ 133
الرسالة الحادية عشرة: دَفْنُ المَوْتَى فِي المَسَاجِدِ 138
الرسالة الثانية عشرة: بَيَانُ كُفْرِ وَضَلَالِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَحَدٍ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ 141
() أخرجه مسلم (8).
() أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (30).
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (735)، وابن عبد البر في جامع العلم وفضله (1801)، ولكن بلفظ الأحاديث بدلاً عن آيات الصفات، ولفظه: "ارووا هذه الأحاديث كما جاءت ولا تناظروا فيها".
() أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (865)، وصحح إسناده ابن تيمية في الحموية (ص: 269)، وقال الذهبي في العرض (2/223): رواته أئمة ثقات.
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (930)، والبيهقي في الأسماء والصفات (955).
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (665)، والبيهقي في الأسماء والصفات (868).
() أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (664)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (325/6)، والبيهقي في الأسماء والصفات (867).
() أخرجه المزكي في المزكيات (29)، وابن بطة في الابانة (120)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (663).
() أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (67)، والبيهقي في الأسماء والصفات (903).
() أخرجه الذهبي في العلو (464)، وقال الألباني في مختصر العلو (ص: 184): وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات معروفون.
() تفسير ابن كثير (3/ 436- 437).
() أخرجه البخاري (22)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
() أخرجه مسلم (2996)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
() أخرجه البخاري (3651)، ومسلم (2533)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
() أخرجه مسلم (1920)، من حديث ثوبان رضي الله عنه.
() أخرجه ابن ماجه (3952)، من حديث ثوبان رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (6714)، والحاكم (8653).
() أخرجه الترمذي (2641)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وقال المناوي في فيض القدير (5/347): "فيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، قال الذهبي: ضعفوه"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5343).
() نشرت هذه الوصية في كراسة برقم 17 عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام 1402هـ.