رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام (عربي)

الكتاب يتناول فريضتي الزكاة والصيام، مبينًا أحكامهما وفوائدهما، مع التذكير بحقوق الله على عباده، ويتضمن شرح أحكام الزكاة وأنواع الأموال الزكوية، وفضائل رمضان وأحكام الصيام وآدابه، بأسلوب علمي يجمع بين التأصيل الشرعي والتوجيه التربوي.

  • earth اللغة
    (عربي)
  • earth تأليف:
    الشيخ عبد العزيز بن باز
PHPWord

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رِسَالَتَانِ مُوجَزَتَانِ فِي الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ

 

 

 

 

لِسَمَاحَةِ الشَّيْخِ

عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ

رَحِمَهُ اللهُ

 


 

 

 

 

 

 

الرسالة الأولى

فِي بُحُوثٍ هَامَّةٍ حَوْلَ الزَّكَاةِ

 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الباعث لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير بفريضة الزكاة التي تساهل بها الكثير من المسلمين فلم يخرجوها على الوجه المشروع مع عظم شأنها، وكونها أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يستقيم بناؤه إلا عليها؛ لقول النبي ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»(1)، متفق على صحته.

وفرض الزكاة على المسلمين من أظهر محاسن الإسلام، ورعايته لشئون معتنقيه؛ لكثرة فوائدها، ومسيس حاجة فقراء المسلمين إليها.

فمن فوائدها: تثبيت أواصر المودة بين الغني والفقير؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.

ومنها: تطهير النفس وتزكيتها، والبعد بها عن خلق الشح والبخل كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...﴾ [التوبة: 103].

ومنها: تعويد المسلم صفة الجود والكرم والعطف على ذي الحاجة.

ومنها: استجلاب البركة والزيادة والخلف من الله كما قال تعالى: ﴿...وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ [سبأ: 39]، وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: يقول الله: «يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ نُنْفِقْ عَلَيْكَ...»(2)، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.

وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها أو قصر في إخراجها، قال الله تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 34 يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ35 [التوبة: 34 - 35]، فكل مال لا تؤدَّى زكاتُه فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة، كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ؛ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ: إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»(3).

ثم ذكر النبي ﷺ صاحب الإبل والبقر والغنم الذي لا يؤدي زكاتها، وأخبر أنه يعذب بها يوم القيامة.

وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزِمَتَيْهِ (يَعْنِي شِدْقَيْهِ)، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ... [آل عمران: 180](4).

والزكاة تجب في أربعة أصناف: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام، والذهب والفضة، وعروض التجارة.

ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود، لا تجب الزكاة فيما دونه، فنصاب الحبوب والثمار: خمسة أوسق، والوسق: ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ، من التمر والزبيب والحنطة والأرز والشعير ونحوها ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ، وهو أربع حفنات بيدي الرجل المعتدل الخلقة إذا كانت يداه مملوءتين.

والواجب في ذلك العشر إذا كانت النخيل والزروع تسقى بلا كلفة كالأمطار والأنهار والعيون الجارية ونحو ذلك.

أما إذا كانت تسقى بمؤونة وكلفة: كالسواني، والمكائن الرافعة للماء، ونحو ذلك فإن الواجب فيها نصف العشر كما صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ.

وأما نصاب السائمة من الإبل والبقر والغنم، ففيه تفصيل مُبَيَّنٌ في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، وفي استطاعة الراغب في معرفته سؤال أهل العلم عن ذلك، ولولا قصد الإيجاز لذكرناه لتمام الفائدة.

وأما نصاب الفضة فمائة وأربعون مثقالًا، ومقداره بالدراهم العربية السعودية ستة وخمسون ريالًا.

ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، ومقداره من الجنيهات السعودية أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع الجنيه، وبالغرام اثنان وتسعون غرامًا والواجب فيهما ربع العشر على من ملك نصابًا منهما، أو من أحدهما، وحال عليه الحول.

والربح تابع للأصل فلا يحتاج إلى حول جديد، كما أن نتاج السائمة تابع لأصله فلا يحتاج إلى حول جديد إذا كان أصله نصابًا.

وفي حكم الذهب والفضة الأوراق النقدية التي يتعامل بها الناس اليوم، سواء سُمِّيَتْ درهمًا، أو دينارًا، أو دولارًا، أو غير ذلك من الأسماء، إذا بلغت قيمتها نصاب الفضة أو الذهب وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة.

ويلتحق بالنقود حُلِيُّ النساء من الذهب أو الفضة خاصة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، فإن فيها الزكاة وإن كانت مُعدَّة للاستعمال أو العارية في أصح قولي العلماء؛ لعموم قول النبي ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ»(5) إلى آخر الحديث المتقدم.

ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه رأى بيد امرأة سوارين من ذهب فقال: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟». قَالَتْ: لَا. قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ!». فَأَلْقَتْهُمَا، وَقَالَتْ: «هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»(6).

وثبت عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فقالت يا رسول الله: أكنزٌ هو؟ فقال: «مَا بَلَغَ أَنْ يُزَكَّى فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»(7) مع أحاديث أخرى في هذا المعنى.

أما العروض وهي السلع المعدة للبيع فإنها تقوم في آخر العام ويخرج ربع عشر قيمتها، سواء كانت قيمتها مثل ثمنها أو أكثر أو أقل؛ لحديث سمرة رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ»(8).

ويدخل في ذلك الأراضي المعدة للبيع، والعمارات، والسيارات، والمكائن الرافعة للماء، وغير ذلك من أصناف السلع المعدة للبيع.

أما العمارات المعدة للإيجار لا للبيع فالزكاة في أجورها إذا حال عليها الحول، أما ذاتها فليس فيها زكاة؛ لكونها لم تعد للبيع، وهكذا السيارات الخصوصية والأجرة ليس فيها زكاة إذا كانت لم تعد للبيع، وإنما اشتراها صاحبها للاستعمال.

وإذا اجتمع لصاحب سيارة الأجرة أو غيره نقود تبلغ النصاب فعليه زكاتها إذا حال عليها الحول، سواء كان أعدها للنفقة، أو للتزوج، أو لشراء عقار، أو لقضاء دين، أو غير ذلك من المقاصد؛ لعموم الأدلة الشرعية الدالة على وجوب الزكاة في مثل هذا.

والصحيح من أقوال العلماء أن الدَّيْنَ لا يمنع الزكاة لما تقدم.

وهكذا أموال اليتامى والمجانين تجب فيها الزكاة عند جمهور العلماء إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، ويجب على أوليائهم إخراجها بالنية عنهم عند تمام الحول؛ لعموم الأدلة، مثل قول النبي ﷺ في حديث معاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى أهل اليمن: «إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ»(9).

والزكاة حق الله لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعًا أو يدفع ضرًا، ولا أن يقي بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة، بل يجب على المسلم صرف زكاته لمستحقيها لكونهم من أهلها، لا لغرض آخر، مع طيب النفس بها، والإخلاص لله في ذلك؛ حتى تبرأ ذمته، ويستحق جزيل المثوبة والخلف.

وقد أوضح الله سبحانه في كتابه الكريم أصناف أهل الزكاة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ60 [التوبة: 60].

وفي ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين العظيمين تنبيه من الله سبحانه لعباده على أنه سبحانه هو العليم بأحوال عباده: من يستحق منهم للصدقة ومن لا يستحق، وهو الحكيم في شرعه وقدره فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وإن خفي على بعض الناس بعض أسرار حكمته؛ ليطمئن العباد لشرعه ويسلموا لحكمه.

والله المسئول أن يوفقنا والمسلمين للفقه في دينه، والصدق في معاملته، والمسابقة إلى ما يرضيه، والعافية من موجبات غضبه، إنه سميع قريب.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

الرئيس العام

لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله ابن باز

***

 


 

 

 

 

الرسالة الثانية

فِي فَضْلِ صِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ

مَعَ

بَيَانِ أَحْكَامٍ مُهِمَّةٍ قَدْ تَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ

 


بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، إلى من يراه من المسلمين سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان، ووفقني وإياهم للفقه في السنة والقرآن، آمين!

سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد: فهذه نصيحة موجزة تتعلق بفضل صيام رمضان وقيامه، وفضل المسابقة فيه بالأعمال الصالحة، مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس.

ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان، ويخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه شهر تفتح فيه أبواب الرحمة وأبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه الشياطين، ويقول: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»(10).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ بَرَكَةٍ يَغْشَاكُمُ اللهُ فِيهِ: فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ وَيَحُطُّ الخَطَايَا، وَيَسْتَجِيبُ الدُّعَاءَ، يَنْظُرُ اللهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ فِيهِ فَيُبَاهِي بِكُمْ مَلَائِكَتَهُ؛ فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا؛ فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللهِ»(11).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(12).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «يَقُولُ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ؛ تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ»(13).

والأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه وفضل جنس الصوم كثيرة.

فينبغي للمؤمن أن ينتهز هذه الفرصة، وهي: ما مَنَّ الله به عليه من إدراك شهر رمضان؛ فيسارع إلى الطاعات، ويحذر السيئات، ويجتهد في أداء ما افترض الله عليه، ولاسيما الصلوات الخمس؛ فإنها عمود الإسلام، وهي أعظم الفرائض بعد الشهادتين، فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة عليها وأداؤها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة.

ومن أهم واجباتها في حق الرجال أداؤها في الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾ [البقرة: 43]، وقال تعالى: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾ [البقرة: 238]، وقال: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 1 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ 2﴾ [المؤمنون: 1-2] إلى أن قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ 9 أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ 10 ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 11﴾ [المؤمنون 9-11]، وقال النبي ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»(14).

وأهم الفرائض بعد الصلاة أداء الزكاة كما قال: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ 5﴾ [البينة: 5]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 56﴾ [النور: 56].

وقد دلَّ كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم على أن من لم يؤد زكاة ماله يعذب به يوم القيامة.

وأهم الأمور بعد الصلاة والزكاة صيام رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة المذكورة في قول النبي ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»(15).

ويجب على المسلم أن يصون صيامه وقيامه عما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال؛ لأن المقصود بالصيام هو طاعة الله سبحانه وتعظيم حرماته، وجهاد النفس على مخالفة هواها في طاعة مولاها، وتعويدها الصبر عما حرَّم الله، وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات؛ ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»(16)، وصح عنه ﷺ أنه قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»(17).

فعلم بهذه النصوص وغيرها أن الواجب على الصائم الحذر من كل ما حرم الله عليه والمحافظة على كل ما أوجب الله عليه، وبذلك يرجى له المغفرة والعتق من النار وقبول الصيام والقيام.

وهناك أمور قد تخفى على بعض الناس:

منها: أن الواجب على المسلم أن يصوم إيمانًا واحتسابًا، لا رياءً ولا سمعة ولا تقليدًا للناس، أو متابعة لأهله أو أهل بلده، بل الواجب عليه أن يكون الحامل له على الصوم هو إيمانه بأن الله قد فرض عليه ذلك، واحتسابه الأجر عند ربه في ذلك، وهكذا قيام رمضان يجب أن يفعله المسلم إيمانًا واحتسابًا، لا لسبب آخر؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(18).

ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس: ما قد يعرض للصائم من جراح، أو رعاف، أو قيء، أو ذهاب الماء أو البنزين إلى حلقه بغير اختياره فكل هذه الأمور لا تفسد الصوم، لكن من تعمد القيء فسد صومه؛ لقول النبي: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ»(19).

ومن ذلك: ما قد يعرض للصائم من تأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر، وما يعرض لبعض النساء من تأخير غسل الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر إذا رأت الطهر قبل الفجر، فإنه يلزمها الصوم، ولا مانع من تأخيرها الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر، ولكن ليس لها تأخيره إلى طلوع الشمس، بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس، وهكذا الجنب ليس له تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الشمس، بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس، ويجب على الرجل المبادرة بذلك حتى يدرك صلاة الفجر مع الجماعة.

ومن الأمور التي لا تفسد الصوم: تحليل الدم، وضرب الإبر غير التي يقصد بها التغذية، لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك؛ لقول النبي ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»(20).

وقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ»(21).

ومن الأمور التي يخفى حكمها على بعض الناس: عدم الاطمئنان في الصلاة، سواء كانت فريضة أو نافلة، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن الاطمئنان ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه، وهي الركود في الصلاة والخشوع فيها وعدم العجلة حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، وكثير من الناس يصلي في رمضان صلاة التراويح صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها، بل ينقرها نقرًا، وهذه الصلاة على هذا الوجه باطلة، وصاحبها آثم غير مأجور.

ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس: ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة، وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا كله ظن في غير محله، بل هو خطأ مخالف للأدلة.

وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن صلاة الليل موسع فيها، فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته، بل ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلَّى ثلاث عشرة ركعة، وربما صلَّى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره، ولما سئل عن صلاة الليل قال: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»(22). متفق على صحته.

ولم يحدد ركعات معينة، لا في رمضان ولا في غيره، ولهذا صلَّى الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه في بعض الأحيان ثلاثًا وعشرين ركعة، وفي بعضها إحدى عشرة ركعة، كل ذلك ثبت عن عمر رضي الله عنه وعن الصحابة في عهده.

وكان بعض السلف يصلي في رمضان ستًا وثلاثين ركعة، ويوتر بثلاث، وبعضهم يصلي إحدى وأربعين، ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، كما ذكر رحمة الله عليه أن الأمر في ذلك واسع، وذكر أيضًا أن الأفضل لمن أطال القراءة والركوع والسجود أن يقلل العدد، ومن خفف القراءة والركوع والسجود زاد في العدد هذا معنى كلامه رحمه الله.

ومن تأمل سنته ﷺ علم أن الأفضل في هذا كله هو صلاة إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة في رمضان وغيره؛ لكون ذلك هو الموافق لفعل النبي ﷺ في غالب أحواله، ولأنه أرفق بالمصلين، وأقرب إلى الخشوع والطمأنينة، ومن زاد فلا حرج ولا كراهية كما سبق.

والأفضل لمن صلَّى مع الإمام في قيام رمضان ألا ينصرف إلا مع الإمام؛ لقول النبي: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»(23).

ويُشرع لجميع المسلمين الاجتهاد في أنواع العبادة في هذا الشهر الكريم من صلاة النافلة، وقراءة القرآن بالتدبر والتعقل والإكثار من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار والدعوات الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، ومواساة الفقراء والمساكين والاجتهاد في بر الوالدين وصلة الرحم، وإكرام الجار وعيادة المريض، وغير ذلك من أنواع الخير؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: «يَنْظُرُ اللهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ فِيهِ، فَيُبَاهِي بِكُمْ مَلَائِكَتَهُ؛ فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللهِ»(24).

ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ»(25).

ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، أَوْ قَالَ: حَجَّةً مَعِي»(26).

والأحاديث والآثار الدالة على شرعية المسابقة والمنافسة في أنواع الخير في هذا الشهر الكريم كثيرة.

والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا، ويصلح أحوالنا، ويعيذنا جميعًا من مضلات الفتن، كما نسأله سبحانه أن يصلح قادة المسلمين، ويجمع كلمتهم على الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

***


() أخرجه مسلم، برقم (987).

() أخرجه البخاري، برقم (1338).

() أخرجه مسلم، برقم (987).

() أخرجه أبو داود، برقم (1563)، والنسائي، برقم (2270) بسند حسن.

() أخرجه أبو داود، برقم (1564).

() أخرجه أبو داود، برقم (1562).

() أخرجه البخاري، برقم (1395)، ومسلم، برقم (19).

() أخرجه ابن ماجه، برقم (1642).

() أخرجه الطبراني، برقم (2238).

() أخرجه البخاري، برقم (2014) ومسلم، برقم (760).

() أخرجه ابن ماجه، برقم (1638).

() أخرجه أحمد، برقم (22937).

() أخرجه البخاري، برقم (8)، ومسلم، برقم (16).

() أخرجه البخاري، برقم (1904)، ومسلم، برقم (1151).

() أخرجه البخاري، برقم (1903).

() أخرجه البخاري، برقم (2014) ومسلم، برقم (760).

() أخرجه أحمد، برقم (10463)، وابن ماجه، برقم (1676).

() أخرجه الترمذي، برقم (2518).

() أخرجه مسلم، برقم (1599).

() أخرجه البخاري، برقم (990) ومسلم، برقم (749).

() أخرجه البيهقي، برقم (3007).

() أخرجه الطبراني، برقم (2238).

() أخرجه البيهقي، برقم (3608).

() أخرجه أحمد، برقم (17600).

() أخرجه البخاري، برقم (8)، ومسلم، برقم (16).

() أخرجه مسلم، برقم (993).