فَضَائِلُ وَآدَابُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ
وَأَحْكَامُ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَبْرَي صَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
إعداد
اللَّجْنَةُ العِلْمِيَّةُ
بِرِئَاسَةِ الشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ بِالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ
1447هـ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن استنَّ بسنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه رسالة موجزة، تضمنت أهم فضائل المسجد النبوي، وآداب زيارته، وآداب زيارة قبر النبي، وقبري صاحبيه ﷺ، جمعناها لزائري المسجد النبوي، حتى يكونوا على علمٍ وبصيرة بفضل مسجد نبي الأمة ﷺ، وآداب زيارته والصلاة فيه، راجين من الكريم المنّان أن ينفع بها، ويجعلها صالحة، ولوجهه خالصة، إنه خير مسؤول، وأكرم مأمول.
اللجنة العلمية
أولًا: فضائل المسجد النبوي
قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ68﴾ [القصص: 68]، وقد اختار الله هذا المكان ليكون مسجدًا لنبيه ﷺ وخصه بفضائل عديدة منها:
أنه أحد المساجد الثلاثة التي تشدُّ الرحال إليها:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: يبلغ به النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»(1).
أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ»(2).
أنه المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم:
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال: دخلتُ على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلتُ: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ(3).
أن أجر طالب العلم فيه، كأجر المجاهد في سبيل الله:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا، لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ»(4).
أنَّ فيه الروضة الشريفة:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي»(5).
***
ثانيًا: استحباب زيارة المسجد النبوي الشريف
لهذه الفضائل وغيرها تستحب زيارة المسجد النبوي للصلاة فيه والعبادة.
- فيسنُّ للحاج وغيره زيارة المسجد النبوي قبل الحج أو بعده، وليست هذه الزيارة من شروط الحج ولا أركانه ولا واجباته، ولا تعلق لها به.
- ولا يشترط لزيارة مسجد النبي ﷺ عدد معين من الصلوات، أو إقامة مدة معينة في المدينة، بل تتحقق زيارته بصلاة واحدة سواء كانت فريضة أم نافلة، لكن كلما زاد عدد الصلوات فيه، زاد الأجر.
- ويستحب لزائر المسجد النبوي أن يؤدي جميع الصلوات المفروضة فيه وكذلك النوافل؛ لما سبق من أن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
***
ثالثًا: آداب زيارة المسجد النبوي
إذا أتى المسلمُ إلى المسجد النبوي، فيستحب له أن يتحلى بالآداب الشرعية المتعلقة بالمساجد عامة، وبالمسجد النبوي خاصة، وهي:
أن يأتي إلى المسجد بسكينةٍ، ووقارٍ، وطهورٍ، ومظهرٍ حسنٍ، ورائحةٍ طيبةٍ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ»(6)، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ»(7)، وأما المرأة فإنها إذا جاءت إلى المسجد، فيجب عليها أن تكون متسترة بحجابها، ولا يجوز لها أن تتطيب أو تتعطر لقول النبي ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ المَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا»(8).
تقديم الرِّجْل اليمنى عند دخول المسجد النبوي، والإتيان بدعاء دخول المسجد. فيستحب للزائر أن يقدم رجْله اليمنى عند دخوله المسجد النبوي كغيره من المساجد، وأن يدعو بهذا الدعاء: «بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ»(9)، وَكَذَلِكَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»(10).
أداء تحية المسجد: يُسَنُّ لمن دخل المسجد النبوي للصلاة فيه، أن يصليَ ركعتين تحية المسجد قبل الجلوس، فَعَن أبي قَتَادَةَ الحَارِث بْن رِبْعِيٍّ الأنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»(11).
الحرص على الصلاة في الصفوف الأولى؛ لما فيها من الفضل العظيم، ولا يكون ذلك إلا بالتبكير إليها، لحديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا»(12)، ولقوله ﷺ لأصحابه رضي الله عنهم: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ»(13).
وأما النساء فالأفضل في حقهن الصلاة في الصفوف المتأخرة، والبُعد عن الرجال، لحديث أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»(14)، لكن إذا صلين منفردات، أو بينهن وبين الرجال حاجز، كما هو الحال في المسجد النبوي، فإن خير صفوفهنْ أولها؛ لزوال العلة في ذلك.
الصلاة خلف الإمام، والحذر من التقدم عليه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»(15).
ولا يجوز للمصلي أن يتقدم على الإمام إلا في حال الضـرورة وامتلاء المسجد بالمصلين بحيث لا يجد مكانًا للصلاة إلا أمام الإمام.
الحرص على سدِّ الفراغ والفرجات بين الصفوف، وتسويتها، لكن مع الحذر من مزاحمة الناس ومضايقتهم، وتخطي رقابهم، والمرور بين يدي المصلين؛ لأن ذلك يوقعه في الإثم.
الصلاة في الروضة الشريفة لمن تيسر له ذلك؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي»(16).
ولم يرد في فضل الصلاة في الروضة فضلٌ معين، ولكن ثبت أنها روضة من رياض الجنة -كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق- والعبادات تفضل بفضل زمانها ومكانها.
* ويختار الزائر الأوقات المناسبة للصلاة في الروضة، ويتحرى الأوقات التي يقلُّ فيها الزحام، فلا يجوز أن يزاحم إخوانه المسلمين، ولا يتخطى الرقاب، ولا يمرّ بين أيدي المصلين من أجل الصلاة فيها، فالصلاة في الروضة نافلة فلا يتوصل إليها بمحرم، كما يحرص الزائر على التقيد والالتزام بالأنظمة الخاصة والترتيبات المنظمة لدخول الروضة، واختيار الأوقات المناسبة، والتعاون مع القائمين على تنظيم دخول الزوار إليها.
اغتنام الأوقات بالإكثار من الأعمال الصالحة التي تقربه إلى خالقه سبحانه كالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، وحضور مجالس الذكر، والدروس العلمية، وحلقات تعليم القرآن الكريم، وغيرها.
احترام كتاب الله عزوجل وصيانته من العبث بأوراقه، والكتابة عليه، أو ابتذاله وامتهانه بوضع الحذاء بجانبه، أو وضعه على الأرض ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ 32﴾ [الحج:32].
غض البصر عما حرم الله عز وجل: فيجب على زائر المسجد النبوي أن يغضَّ بصره عما لا يحل له النظر إليه، وليعلم عِظَمَ ارتكاب الذنب في هذه البقاع، وما يترتب عليه من عقوبات، فإن المعاصي تَعْظُمُ قدرًا وكيفًا بِعِظَمِ الزمان والمكان، وكذلك الطاعات، وتحرص المرأة المسلمة على الالتزام بالحجاب الشرعي، وعدم إظهار الزينة حتى لا تفتن الرجال، فإن هذا إثمه عظيم.
الحذر من الانشغال بالتصوير أو مشاهدة الصور والمقاطع في الجوال، ويشتد الأمر خطورة إذا كانت هذه الصور والمقاطع محرمة.
تنزيه المسجد النبوي عن كل ما لا يليق به من الخصومات، ورفع الصوت، ونشد الضالة، والبيع، ونحو ذلك من الأمور التي لا تنبغي فيه ولا في غيره من المساجد؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ الله عَلَيْكَ»(17).
الحرص على النظافة الشخصية، والحذر من الروائح الكريهة كالثوم والبصل والدخان والعرق، ونحو ذلك مما يسبب الإيذاء لإخوانه المصلين؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»(18).
الحرص على نظافة المسجد النبوي وعدم رمي النفايات داخل المسجد وفي ساحاته مثل بقايا الأطعمة وسفر الإفطار لاسيما في شهر رمضان، أو البصاق في الممرات والساحات، ونحو ذلك.
تجنب الصلاة في الممرات وعند مداخل الأبواب والأماكن المزدحمة، لما يترتب على ذلك من المفاسد، وسد الطرقات، وأذية المسلمين.
صلاة الرجال والنساء في الأماكن المخصصة لكلٍ منهم، داخل المسجد النبوي أو في ساحاته، ولا يصلي الرجل بجوار المرأة، ولا المرأة بجوار الرجل، والحذر من التقدم على الإمام ما أمكن.
تقديم الرِّجْل اليسرى عند الخروج من المسجد، ويقول عند الخروج: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ»(19)، أو يصلى على النبي ﷺ ويقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ»(20).
***
رابعًا: أحكام وآداب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه رضي الله عنهما
* تستحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لأهل المدينة ولمن قدم إليها وافدًا وزائرًا؛ لعموم الأدلة الدالة على مشـروعية زيارة القبور ومنها قوله ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا»(21).
وقد دل على فضل السلام على النبي ﷺ بعد موته قوله: ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، إِلَّا رَدَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»(22).
* ولا يشـرع للنساء زيارة قبره ﷺ ولا قبر غيره من المسلمين، فإن زيارة القبور مشـروعة في حق الرجال، أما النساء فنهين عن زيارة القبور، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»(23)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ»(24).
* ولا يجوز شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ بأن ينوي بسفره زيارة القبر فقط، وإنما ينوى بسفره زيارة المسجد والصلاة فيه، فإذا استقر في المدينة شُرِعَ له زيارة القبر، كما يشـرع لساكني المدينة من أهلها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»(25).
***
الآداب المشـروعة عند زيارة قبر النبيِّ ﷺ وقبري صاحبيه رضي الله عنهما.
يقف الزائر أمام قبر النبي ﷺ مستقبلًا للقبر، ثم يسلم على النبي ﷺ بأدب وخفض صوت، فيقول: (السلامُ عليك يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته)، وإن زاد على ذلك وقال: (أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق الجهاد) فلا حرج في ذلك؛ لأن هذا كله حق.
ثم يخطو خطوةً عن يمينه ليكون مستقبلًا قبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيقول: (السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا خليفة رسول الله ﷺ رضي الله عنك وأرضاك، وجزاك عن أمة محمد ﷺ خيرًا).
ثم يخطو خطوةً عن يمينهِ ليكونَ مستقبلًا قبر عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: (السلامُ عليك يا عمر الفاروق رضي الله عنك وأرضاك، وجزاك عن أمة محمد ﷺ خيرًا).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف»(26).
لا يمس جدران القبر ولا السياج ولا يقبلها:
قال الإمام مالك رحمه الله: "إذا سلم على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر؛ لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده"(27).
واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ بيده ولا يقبله.
لا يطيل الوقوف عند القبر بل يسلم ثم ينصرف.
قال الإمام مالك رحمه الله: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي"(28).
وقال نافع رحمه الله: "كان ابن عمر يسلم على القبر.. رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي ﷺ. السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف"(29).
وأما ما يفعله بعض الزوار من رفع الصوت عند قبره ﷺ وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع.
لا يجوز دعاء الرسول ﷺ ولا غيره من الخلق بجلب منفعة أو دفع مضـرة، أو طلب قضاء حاجة، أو تفريج كربة، أو شفاء مريض، أو طلب شفاعة، أو نجاة من العذاب، أو نحوها من الأدعية، فإن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله محرم وشرك أكبر، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ60﴾ [غافر:60]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ194﴾ [الأعراف:194]، وقال جلّ في علاه: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا18﴾ [الجن: 18].
لا يدعو الله عند القبر فإن أراد الدعاء تقدم عن القبر، وتوجه للقبلة ودعا، ولا يستقبل القبر بالدعاء.
وقد قال الإمام مالك رحمه الله: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو".
لا يشـرع كثرة التردد على القبر عند دخول المسجد أو الخروج منه، لا لأهل المدينة ولا للزوار من خارجها، فإنه يخشى أن يكون ذلك من اتخاذ القبر عيدًا.
وقد نهى عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي»(30).
ومعنى: "لا تتخذوا قبري عيدًا" من المعاودة إليه في وقت أو حال مخصوصين، كتخصيص زيارته في كل يومٍ أو أسبوعٍ أو شهرٍ. أوحالٍ معينةٍ يزار بوجودها، وقيل: أي لا تتخذوه موسمًا تجتمعون فيه.(31)
وقال الإمام مالك رحمه الله: "وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء"(32).
وقوله رحمه الله: "وإنما ذلك للغرباء": أي مطلق الزيارة، لا تكرار الزيارة عند الدخول والخروج.
لا يقف أمام القبر كهيئة المصلي بوضع إحدى يديه على الأخرى على الصدر أو تحته؛ فهذه الهيئة خاصة بالصلاة، وهي هيئة ذلٍّ وخضوعٍ لا تصلح إلا لله سبحانه وتعالى.
لا يستقبل القبر من مكان بعيد للسلام على النبي ﷺ كما يفعله بعض الناس؛ لأن هذا لم يكن يفعله الصحابة رضي الله عنهم ولا السلف الصالح من الأئمة الأربعة وغيرهم.
عدم استقبال القبر الشـريف بدعاء ولا بتلاوة قرآن ونحوها من أي جهة كانت، فهذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا يجوز للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وقد أنكر الإمام مالك رحمه الله أشباه هذا العمل، وقال: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"(33).
عدم الاشتغال بالتصوير والبث المباشر أثناء السلام على النبي ﷺ.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الفهرس
أولًا: فضائل المسجد النبوي 3
ثانيًا: استحباب زيارة المسجد النبوي الشريف 5
ثالثًا: آداب زيارة المسجد النبوي 6
رابعًا: أحكام وآداب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه رضي الله عنهما 14
() أخرجه البخاري برقم: (1190)، مسلم برقم: (1395) واللفظ للبخاري.
() أخرجه مسلم برقم: (1398).
() أخرجه ابن ماجه برقم: (227) بسندٍ صحيح.
() متفق عليه. البخاري برقم: (1195)، مسلم برقم: (1390).
() أخرجه البخاري برقم: (636)، ومسلم برقم: (602).
() متفق عليه، البخاري برقم: (846)، ومسلم برقم: (858)، والمحتلم هو البالغ.
() أخرجه مسلم برقم: (443).
() أخرجه ابن ماجه برقم: (771)، بسندٍ صحيح.
() أخرجه أبو داود برقم: (466)، بسندٍ صحيح.
() متفق عليه، البخاري برقم: (1171)، ومسلم برقم: (714).
() متفق عليه، البخاري برقم: (615)، ومسلم برقم: (437).
() أخرجه مسلم برقم: (438).
() أخرجه مسلم برقم: (440).
() أخرجه البخاري برقم: (722)، ومسلم برقم: (417).
() متفق عليه. البخاري برقم: (1195)، مسلم برقم: (1390).
() أخرجه الترمذي برقم: (1321) وابن خزيمة برقم: (1305)، بسندٍ صحيح.
() أخرجه البخاري برقم: (7359)، مسلم برقم: (564).
() أخرجه مسلم برقم: (713).
() أخرجه الترمذي برقم: (314)، بسندٍ صحيح.
() أخرجه مسلم برقم: (977).
() أخرجه أحمد، في المسند برقم: (10815)، بإسناد حسن.
() أخرجه أبو داود، برقم: (3236) والترمذي برقم: (320)، والنسائي برقم: (2043).
() أخرجه الترمذي برقم: (1056)، وابن ماجه برقم: (1576)، بإسناد حسن.
() أخرجه البخاري برقم: (1189)، مسلم برقم: (1397) واللفظ له.
() أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم: (10271)، بسندٍ صحيح.
() الشفا للقاضي عياض (2/ 199).
() الشفا للقاضي عياض (2/ 199).
() أخرجه الآجري في كتاب الشريعة (5/2374) رقم (1853).
() أخرجه أحمد في المسند برقم: (8804)، بإسناد حسن.
() انظر: المفردات للراغب الأصفهاني (ص: 594) شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني (ص:16).
() الشفا للقاضي عياض (2/ 204)، المدخل لابن الحاج (1/ 262).
() مجموع فتاوى ابن باز (16/ 110).
() أخرجه البخاري برقم: (1189)، مسلم برقم: (1397) واللفظ له.